مذكرات مهري حاجي نجاد من كتاب الضحكة الأخيرة لليلى – القسم الرابع عشر
في العدد السابق من مذكرات السجن لمهري حاجي نژاد التي نُشرت في كتاب “الضحكة الأخيرة لليلى“، روت الكاتبة التي كانت آنذاك طالبة مراهقة خاطرة كانت فيها على بُعد خطوة من الإعدام والرمي بالرصاص. في هذا العدد نتابع بقية هذه المذكرة الصادمة واللاحقة:
لم أكن أعلم ماذا سيكون مصيري في تلك الليلة. بما أنني لم أكن في الصف المقابل، فقد تملكني الشك والتردد. لكنني كنت سعيدة وحزينة في آن واحد لأنني تمكنت من رؤية عدد من رفاقي للمرة الأخيرة في لحظاتهم الأخيرة. كنت سعيدة بشموخ المجاهدين، لأنني رأيتهم كيف يقفون صفاً تلو الآخر بكل صلابة وهيبة، يرفعون صدورهم ولا يخشون شيئاً، وكان الأمر حقاً وكأن المجاهدين يسحقون هؤلاء الجلادين الذين سلاحهم الوحيد هو التعذيب والإعدام، وأن هذا الطريق مستمر بدماء وصمود هؤلاء يوماً بعد يوم. لكنني بالطبع كنت حزينة لأنهم لن يكونوا بيننا بعد الآن، ولأنني لم أكن في ذلك الجمع وأرى رفاقي يغادرونني بعد دقائق.
تلك الليلة هي إحدى الليالي التي لا تُنسى في حياتي؛ ليلة براءة ومظلومية أسرى مجاهدي خلق. كنت أتمنى لو سنحت لي الفرصة للتحدث مع كل واحد منهم. في هذه الأثناء، كان المرتزقة الذين يذهبون ويجيئون يوجهون إليّ أقاويلهم فارغة. عدة مرات جاء مرتزق ووقف بجانبي وفجأة ألقى بوعاء من فوق رأسي على الأرض بقصد الإيذاء. وآخر سحب تشادري واقتادني عبر عدة غرف إلى غرفة كنت أرى من تحت عصابة عيني السرير والكابل وأرضية الغرفة الملطخة بالدماء، وكأنه يريد إفهامي أن هذه هي غرفة التعذيب في الشعبة 7، المكان الذي كنت قد عرفته من قبل. سألت نفسي لماذا أحضروني إلى هنا؟… بعد ذلك أعادوني إلى الممر، لكن هذه المرة كان الممر خالياً ولم يعد هناك أثر لرفاقي المحكومين بالإعدام؛ لقد أخذوهم. كنت قلقة ومضطربة للغاية؛ هل لا يزالون موجودين؟ هل نقلوهم إلى ممر آخر؟ هل أُعدموا حتى الآن؟ كنت أرغب بالخروج من هذا المكان اللعين بأي طريقة لأعرف ماذا حدث. سمعت صوت امرأة من الحرس، طلبت منها أن تأخذني إلى المرافق؛ كنت أريد أن أرى هل سأجد أحداً هناك لأسأله عما جرى.
لكن لم يكن هناك أحد، فقررت العودة إلى العنبر بأي ثمن، حتى لو تعرضت للضرب غداً بسبب التهرب من الاستجواب. فكرت في العودة إلى العنبر لأكون بجانب الفتيات على الأقل عندما يُسمع صوت الإعدام. عندما خرجت من المرافق وقفت هناك وقلت إنني سأعود إلى العنبر. حركتني امرأة الحرس واقتادتني إلى جانب مجموعة كانوا يقفون خارج الباب وقالت قفي هنا حتى يأتي “دائي جليل” (نفس الحارس الذي كان ينقل السجناء) ويأخذكم.
كانت الساعة قد تجاوزت 12 من منتصف الليل عندما أعادونا إلى العنبر. عندما دخلت، كانت زهرا وأقدس وجليلة لا يزلن مستيقظات وقلقات بشأن ما حدث لي. بمجرد وصولي، تعانقنا، وقلن إنهن كن يدعون باستمرار لعودتي. قالت إحداهن قلت لنفسي إن محبوبة ذهبت أيضاً. شرحت لهن ما رأيته وما حدث تلك الليلة. سألتهن: ألم تسمعن أي صوت؟ كان الجواب نفياً. أيقنت حينها أننا طوال الأشهر الستة الماضية لم نكن نسمع أصوات الرمي بالرصاص وكنا نظن أن الإعدامات قد توقفت، وهذا لم يكن واقعاً، بل تم تغيير مكان الإعدام فقط.
عندما رويت أحداث تلك الليلة، قالت إحدى الزميلات التي كانت تملك خبرة أكثر: “على الأرجح اعتقد المستجوبون بسبب تشابه الأسماء أو الوجوه أنكِ أحد الأشخاص الذين يبحثون عنهم، ولهذا السبب أجروا الفحص والتشخيص في غرفة التعذيب، حتى إذا كنتِ الشخص المطلوب يبدؤون بـ ‘سياقهم’ دون سؤال وجواب”. والمقصود بالسياق في الشعبة 7 هو تعذيب الضحية والمتهم أولاً ثم البدء بالسؤال والجواب.
وقالت زميلة أخرى: “لقد أخذوكِ عمداً لممارسة التعذيب النفسي، لتذكيرك بالإعدام وبغرفة التعذيب”. في كل الأحوال، لم أعرف أبداً أي من هذه السيناريوهات كان صحيحاً، ولكن ما بقي لي من تلك الليلة هو تذكار دائم للمعركة الضارية والمثيرة في آن واحد للمجاهدين ذوي العزيمة الحديدية ضد نظام خميني اللاإنساني، خاصة مع تلك الصورة التي رأيتها من لاجوردي.
حتى فبراير 1983 عندما تمت محاكمتي مجدداً، ذهبت مرات عديدة للاستجواب في العنبر 209 والشعبة 7، حيث كانوا يطالبونني دائماً بمعلومات عن إخوتي، وكان ردي دائماً هو النفي. كنت أقول: “استجوابي قد انتهى، وذهبت إلى المحكمة وأنتظر الحكم، لماذا تحضرونني للاستجواب؟”.
في أواخر يناير 1983 ذهبت إلى المحكمة مرة أخرى. تكررت نفس تلك المحكمة التي تستغرق دقيقتين أو ثلاث، لكن هذه المرة كانت مواد لائحة الاتهام أقل مما كانت عليه في الصيف، وحُذفت منها مواد مثل إعداد السلاح وما شابه. وفي النهاية لم يطلبوا مني التوقيع على شيء، بل قرؤوا لي فقط وقالوا: “هل ستجرين مقابلة؟” قلت: “لا!”. ودون أي سؤال أو حديث آخر أعادوني إلى العنبر. كان شعوري أن حكم الإعدام قد أُلغي، ومن المحتمل أن يصدر بحقي حكم طويل الأمد. ومع ذلك، لم يكن بالإمكان معرفة ما سيتغير في الأيام القادمة، لأنه حدث مراراً أن تغير حكم الأفراد بجلسة استجواب واحدة. وهكذا بقيت في حالة عدم استقرار بانتظار الحكم.
في الفترة ما بين مارس 1983 ومايو 1983 بدأت دورة جديدة من الاستجواب. هذه المرة كان الاستجواب في العنبر 209. لم أكن أعرف لماذا نُقلت إلى هذا القسم؛ لأنني في البداية خضعت للاستجواب في الشعبة 1، ثم نُقلت بعد فترة إلى الشعبة 7، وآخر مرة بعد الاستجواب في الشعبة 7 أُرسلت إلى المحكمة، وهذه المرة نُقلت إلى 209 الذي كان يدار بإشراف قوات الحرس، رغم أن رد المحكمة لم يكن قد جاء بعد.
في العنبر 209 واجهت عدداً من السجناء المنهارين الذين أصبحوا يتعاونون مع النظام، بأسماء شيرين، وهالة، وكيوان و… وأصبحوا هم الطرف المقابل لي. كانت هذه أكثر جلسات الاستجواب ضغطاً مما أتذكره. لأنه في الاستجوابات التي كان يقوم بها الجلادون مباشرة، كان العدو واضحاً تماماً، أما هنا فقد واجهت تناقضاً مضاعفاً. فمن جهة، هم أنفسهم كانوا ضحايا النظام، ومن جهة أخرى، كانوا أكثر دراية بالعلاقات التنظيمية من المستجوبين الرسميين للنظام، ويفهمون ثقافتنا ولغتنا بشكل أفضل، لذا كان من الصعب التملص منهم. في هذا المسار، كان كل طلبهم مني هو قول ما أعرفه عن مصير رفاقي في التنظيمات الطلابية، وكتابة أسماء من أعرف أنهم استشهدوا. كان من الواضح أنهم يريدون حسم ملف التنظيم الطلابي. وبالطبع لم يكن لدي أي جواب سوى الأسماء التي أُعلن رسمياً عن إعدامهم في تلفزيون النظام.
في تلك الأيام، ومن شدة الضغط الذي كنت أشعر به، نفد صبري؛ لم أكن أنام ولا أستطيع الأكل، وكنت أنحل يوماً بعد يوم. لم تكن الضغوط مجرد استجواب، بل كنت أواجه يومياً قائمة من رفاقي الذين إما استشهدوا أو لم تعد هناك أخبار عنهم. من جهة، كانت ذكراهم تجعل دمي يغلي، ومن جهة أخرى، كانت رؤية هؤلاء الخونة يومياً ووقوعي تحت مجهرهم باستمرار يثير قلقي.
في أوائل مايو 1983، وبسبب شدة هذه الضغوط، أُصبت بنزيف في المعدة، وخلال أقل من 20 يوماً أُصبت بنزيف حاد مرتين، وفقدت 13 كيلوغراماً من وزني في أقل من شهر. لم يكن هناك أي دواء سوى شراب المعدة. والطعام كان هو نفس طعام السجن، مما أدى إلى ضعف جسدي شديد لدي. في حين كنت آنذاك في التاسعة عشرة فقط من عمري، وكنت من الناحية الجسدية سليمة وقوية البنية. وبما أن وضعي الصحي أصبح متدهوراً، توقفت تلك الاستجوابات ولم يعودوا يطلبونني.




















