مذكرات السجن لمهري حاجي نجاد من كتاب الضحكة الأخيرة لليلى – الجزء السابع عشر
العلاقات في السجن والحياة الجماعية : في هذا العدد من مذكرات السجن لمهري حاجي نجاد، والتي نُشرت في كتاب الضحكة الأخيرة لليلى، تروي الكاتبة التي كانت حينها طالبة في سن المراهقة، تفاصيل الحياة الجماعية والعلاقات القائمة على الحب والصداقة في الروابط المتبادلة بين السجناء المجاهدين.
علاقات السجن
السجن هو ساحة المواجهة بین القيم واللا قيم. يمثل السجن مواجهة في أعلى المستويات المتصورة؛ ففي جانب يبرز أوج القسوة، الجريمة، غلظة القلب، الحقد، وانعدام الإيمان والخصال المعادية للشعب، وفي المقابل تتألق كافة القيم الثورية والإنسانية مثل التضحية، المودة، العطف، الحب، الإيمان، والالتزام بالعهد والميثاق مع الشعب والوطن الذي يعد تحقيق حريته أسمى أماني كل مجاهد ومناضل صامد. لقد كان الجوهر المتألق والبارز في علاقات السجناء المجاهدين هو الحب ولا شيء غير الحب، بينما لم يكن يجري بيننا وبين السجانين والحرس والخونة سوى الغضب والحقد.
في السجن، تكون الاصطفافات حادة، واضحة، ولا تشوبها ثغرات. عدو غادر يحاول بكل حقد وعبر ممارسة أشد أنواع التعذيب والضغوط الجسدية والإذلال المستمر تحطيم السجين نفسياً وإفراغه من كافة قيمه الإنسانية والثورية لتوظيفه في خدمة أهدافه اللاإنسانية.
في ساحة هذه المواجهات، وبما أن السجين في حالة اشتباك مباشر ومستمر مع العدو الشقي، فإنه لا يداخله أدنى شك. وفي كل مواجهة، يبرز داخله فوراً أحد هذين الشعورين المقدسين: الحقد والكراهية تجاه الجلادين المعادين للبشر، والحب لرفيق النضال والقيد.
بعد مرور أكثر من 20 عاماً على تلك السنوات، لا تزال حلاوة وطهارة الحب الذي كان يكنه لي رفاقي وأكنه لهم متجذرة في أعماق روحي، ولا يزال قلبي يضطرب شوقاً كلما تذكرت أياً منهم رغم مرور كل هذه السنين.
لم أرَ قط أشخاصاً أكثر تحرراً وانطلاقاً من الرفاق الذين عرفتهم في السجن، وكأنهم لم يكونوا متمسكين بأي متاع دنيوي. رحم الله آذر نورعلي[1]، فقد كانت تذكرنا دائماً بمقولة الإمام علي: “اعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً، واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً”. ولأننا كنا جميعاً في السجن ننتظر الإعدام أو الحبس الانفرادي، كنا نعرف قدر لحظات التواجد في الجمع والحياة الجماعية. كان كل جهدنا ألا نضيع لحظة واحدة. لقد كنا مترابطين لدرجة أننا، في الواقع، نفكر بنفس الطريقة، ننظر بنفس الأسلوب، نضحك سوياً، نغضب سوياً، ونتوقع الأحداث سوياً. أصبحت مشاعرنا متطابقة تماماً، روح واحدة في مئات الأجساد.
ولتحطيم هذه الروابط، كان النظام يمارس ضغوطاً هائلة في القضايا المعيشية والخدمية ليشغلنا بالمسائل الشخصية ويدفعنا للتنازع حول الأمور الفردية لتمزيق الرابطة العميقة بيننا. وفي المقابل، أدركنا أن كل ما نملكه ينبع من هذا الترابط العميق، وأن علينا تحويل كل أداة ضغط إلى موضوع لمواجهة الملالي.
في السجن، كان الحماس والضحك جزءاً من أهدافنا. لهذا السبب، كانت حالات الانكفاء على الذات أو التذمر أو الاستسلام للضغط أموراً غريبة عنا تماماً. ليس لأننا لا نواجه تناقضات، بل لأننا كنا نعلم أن النظام يريد ذلك، فكنا نتصرف بوعي عكس مراده تماماً بمقدار 180 درجة، ولذلك تحول هذا السلوك إلى قيمة بيننا. وحتى قضية الاستحمام في السجن كانت إحدى ساحات هذا النوع من المقاومة.
الحياة الجماعية
كانت لدينا لقاء من خلف الزجاج مرة واحدة كل شهر لمدة 10 دقائق. بعض الأشخاص لم يحصلوا على أي لقاء طوال سنوات أسرهم، والبعض الآخر كان ممنوعاً من الزيارات. لكن أجواء الحياة الجماعية في السجن لم تسمح لهؤلاء بالشعور بأي نقص مطلقاً.
في أيام المقابلات، كان العنبر يزدحم بشدة. كانت كل مجموعة تعود من المقابلة يلتف حولها الجميع لسماع الأخبار الجديدة ومعرفة ما دار في اللقاءات.
خلال تلك الدقائق العشر، كان كل منا يخصص بضع دقائق لإلقاء التحية والسؤال عن أحوال أمهات وآباء الآخرين. وبالطبع، إذا لاحظ السجان ذلك، كنا نتعرض للتهديد والإهانة، لكن الأمر كان يستحق؛ لأنهم كانوا آباء وأمهات لنا جميعاً، وكثير منهم كنا نعرفهم منذ المرحلة السياسية. هذه التصرفات جعلت العوائل أيضاً ترتبط بعلاقات حميمة ودافئة خارج السجن، وكانوا عوناً وسنداً لبعضهم البعض.
أما العوائل التي كانت تأتي من المحافظات الأخرى إلى طهران لزيارة أبنائها، فكانت دائماً في ضيافة عوائل السجناء المقيمين في طهران، مما كان يخفف من تعبهم ووحدتهم ويعمق روابطهم.
كانت اللحظات التي يتم فيها تسليم طرود الملابس التي أحضرتها العوائل من أكثر اللحظات سعادة. كنا نفرش كل الملابس وسط الغرفة على “تشادر” ، وكل من يعجبها لباس ما ترتديه.
آنذاك، كان الحرس يصادرون الـ “مانتو” (المعاطف) الموجودة بين الملابس بدعوى أنها ألبسة خاصة للمجاهدات”، وكانوا يفضلون أن نرتدي فقط الملابس المنزلية الملونة. لذا، عندما كان يفلت من أيديهم لباس يشبه “التونيك” أو القمصان الصينية كان يصبح من أكثر الملابس شعبية لدينا.
وبما أنهم لم يكونوا يسمحون بدخول أي عطور أو بخاخات إلى العنبر، كانت أمهاتنا يفرغن زجاجات العطر داخل أكياس الملابس؛ لذا عندما كنا نفتح الأكياس، كانت رائحة العطر تملأ العنبر بالكامل.
في كل مقابلة، كانت العوائل ترسل عادة مبلغاً من المال لأبنائها، وكان يُسلم لنا شهرياً حوالي 250 تومان أو أقل. طوال السنوات الخمس التي قضيتها في السجن، لم يكن لدى أي منا محفظة نقود شخصية. صنعنا من أكياس الخبز البلاستيكية كيساً كبيراً جداً نضع فيه الملابس الزائدة غالباً، وكان هذا الكيس هو المكان المخصص لأموالنا جميعاً، وأطلقنا عليه اسم “الفيل”. كل من كان يصلها مال، تضعه بنفسها داخل ذلك الكيس. لم يكن أحد يعد نقوده أو يسعى لتخصيص شيء منها لنفسه.
الحقيقة هي أن كل واحدة منا كانت تنتظر في كل لحظة مناداة اسمها للاستجواب أو التعذيب أو إرسالها إلى ساحة الإعدام رمياً بالرصاص؛ لهذا السبب لم يتولد لدينا أي ارتباط أو تعلق بهذه الأمور المادية، وكان كل ما نملكه هو ملك لنا جميعاً.
منذ عام 1984 فصاعداً، عندما كان يتم إطلاق سراح بعض الأشخاص نادراً، كنا نعطيهم من الأموال التي جمعناها ليتمكنوا من تغطية تكاليف الخروج من إيران والالتحاق بالمنظمة. كانت تلك من أجمل لحظاتنا. أو كنا نقوم أثناء المقابلات وبطرق مختلفة -دون أن يلاحظ الحرس- بإعطاء تلك الأموال المجموعة لعوائلنا لتقديمها كدعم مالي للمنظمة.
إن ما جعل ظروف مسالخ الملالي الصعبة والرهيبة غير مؤثرة علينا هو أملنا وإيماننا ببزوغ فجر الحرية في وطننا. لقد سألني أصدقائي غير المتدينين الصامدين على مواقفهم مراراً: “حقاً، ما الذي يملكه المجاهدون لتكون روابطهم عميقة بهذا الشكل ويتبادلون كل هذا الحب؟”.
ففي حين كان هذا الحب والصداقة يظهر بين شخصين أو ثلاثة لدى بقية السجناء، كان هذا الحب متساوياً بين جميع المجاهدين، وكان الجميع جسداً واحداً. وبحسب فهمي وإدراكي آنذاك، كنت أرى الإجابة في قيادتنا وتنظيمنا، وفي الأمل بأنه حتى لو استشهدنا جميعاً، فإن منظمتنا باقية، ونصر أهدافنا ونضالنا غداً مضمون. كانت هذه النعمة والرصيد هي المحرك لنا نحن السجناء للصمود في وجه نظام الملالي الوحشي.
هذه الحقيقة أدركها الجلاد لاجوردي أكثر منا جميعاً. في أحد الأيام، عندما جاء إلى العنبر للعربدة وإثارة الرعب والتهديد، سألته إحدى الأمهات: “لماذا لا تطلقون سراح هذه الفتاة ذات الـ 13 عاماً التي لم ترتكب أي ذنب؟” (تقصد فاطمة، فتاة قروية صغيرة لم تكن تعرف شيئاً عن القضايا السياسية، لكنها اعتُقلت بتهمة تهريب شخص لجأ إلى ورشة والدها).
قال لاجوردي: “روح مسعود رجوي موجودة في وجود كل واحد منكم. حتى الذين تراجعوا منكم لا يمكن الوثوق بهم. كل من يخرج من هنا سيلتحق بالمنظمة مجدداً، أنا أقرأ ذلک في عيونكم جميعاً. حاولوا ألا تنظروا في عيني مباشرة، أنا أشم رائحة المجاهدين (المنافقين كما يسميهم) وأعرفهم. أكثر من 80% من الكادر المركزي لمنظمتكم موجودون في الخارج سالمين ويعملون، ولن يخرج أحد منكم من سجن إيفين. هل تظنون أن الشعب البطل سيستقبلكم يوماً بأكاليل الزهور كأبطال؟ كلا، لن يأتي ذلك اليوم، وسوف تتعفنون جميعاً هنا”.
لقد كان صادقاً؛ فرح مسعود، التي هي روح النضال والتحرر، كانت حية في كل واحد منا.
[1] . آذر نورعلي كانت من الطلاب المؤيدين للمجاهدين. اعتُقلت أوائل عام 1982 وقضت 6 سنوات من أفضل سنوات عمرها -من سن 21 إلى 27- في سجون الملالي المعادين للبشر. انضمت آذر إلى جيش التحريرالوطني الإيراني فور إطلاق سراحها من السجن عام 1987، واستشهدت أخيراً عام 1988 في طريق إقامة إيران حرة..




















