مذكرات سجن مهري حاجي نجاد من كتاب الضحكة الأخيرة لليلى – الجزء العاشر
في هذا العدد من سلسلة مذكرات مهري حاجي نجاد، التي سُطرت في كتاب الضحكة الأخيرة لليلى، تحكي مهري، التي كانت طالبة مدرسة آنذاك، عن ذكريات أحبائها ورفيقاتها في الأسر والسجن، وتعرّفنا على وجوه نساء مقاومة أخريات وقفن في وجه الجلادين وبقين وفيات بعهدهن حتى النهاية.
أم زرقاء الشجاعة والمحبوبة
بعد رحيل آصف وزهراء وفرح وأخوات آخريات…، لا بد لي أن أذكر “الأم الزرقاء” التي كانت تدور حول وجودهن كالفراشة حول الشمعة، تدعو لهن، وكانت سندًا وملجأً لفتياتها الصغيرات. كانت أمًّا حنونة جدًا من جنوب طهران، ذات بنية قوية وقامة طويلة وعينين زرقاوين. وبما أن معظم الفتيات في المعتقل كنَّ يحملن أسماء مستعارة، فقد أطلقنا عليها نحن أيضًا اسم “الأم الزرقاء” بسبب عينيها الزرقاوين.
كان معظم فتيات جنوب طهران يعرفن الوجه المحبوب لـ “الأم الزرقاء”. في الحقيقة، لم أعرف اسمها الحقيقي طوال فترة وجودها معنا في المعتقل. سمعت مرة واحدة فقط من الفتيات أنها أم الشهيدين المجاهدين ”علي ومرتضى مثنى“، اللذين أعدمهما النظام رميًا بالرصاص في سبتمبر 1981، بفارق أسبوع واحد بينهما، وقالوا إن النظام لا يزال يلاحق بقية أفراد العائلة. كما استشهد ابن آخر لها وكنّتها في يوليو 1982، وبذلك تكون أم مثنى (فردوس محبوبي) قد قدمت أربعة شهداء على طريق الحرية.
كانت “الأم الزرقاء” بطلة شامخة وذات هيبة. كنت أشعر بالفخر والاعتزاز كلما رأيتها، لمدى صلابتها وشجاعتها. قضيت معها بضعة أشهر في عنبر واحد، ولكن هذه الأشهر القليلة كانت كافية لرؤية جميع صفات المرأة المجاهدة الباسلة فيها. حتى في نظراتها، كان يلوح السكينة والتضحية بالحياة والأبناء والفداء من أجل الحرية، مما يثير في المرء احترامًا خاصًا وإعجابًا بها.
رأيت الأم للمرة الأولى في الغرفة 6 من عنبر 240 في المستوصف. تم نقلها لاحقًا معنا إلى عنبر 240 العلوي (4 علوي) وكانت في الغرفة 4، وفي عيد 1982 نُقلت إلى عنبر آخر. كانت دائمًا بشوشة وحنونة. كنت أفكر أحيانًا: ألا يشعر المحققون والجلادون بالخجل من تعذيب هذه الأم أيضًا؟ وبعد ذلك، كنت أدرك أنني لم أفهم بعد عمق قسوة وخصائص النظام المناهضة للبشرية، لأنَّه في منطق جلاوزة خميني لا حدود ولا قيود ولا رادع، فهم كالوحوش الضارية لا يفهمون إلا شيئًا واحدًا: يقتلون المجاهد بأبشع الطرق وبكل ما أوتوا من قوة يمزِّقونه تمزيقًا.
عندما فُتحت أبواب غرفنا حديثًا، كانت “الأم الزرقاء” ترافقنا وتمشي في ذلك الممر المظلم والضيق والطويل. هي أول من علَّمتنا كيف نصنع النعال (لتخفيف ألم كدمات أقدامنا من الكابل عند المشي.
في اليوم الذي كان فيه قافلة الشهداء (آصف، سيما، فرح، وزهراء…) تسرع نحو ميدان الإعدام، رأيت الأم مضطربة أكثر من أي وقت مضى. في ذلك اليوم، بالمصادفة، كان العدد الأكبر من تلك القافلة من غرفة الأم، وكانت تدور حول هؤلاء الفتيات كفراشة مضطربة. في الفرصة التي كانت الفتيات يجمعن فيها أغراضهن ويقدمن وصاياهن للآخرين، توضأت الأم ووقفت للصلاة، وصلت عدة ركعات. بعد الصلاة، كانت أهدأ مما قبل، لكنها كانت لا تزال تدعو تحت أنفاسها. وعلى الرغم من أنها كانت غاضبة للغاية، إلا أنها كانت تكتم غضبها وتسأل بقلق: هل تعتقدون أن اسمًا آخر سيُقرأ اليوم؟ وبعد ذهاب الفتيات، استمرت الأم تصلي وتدعو حتى ساعة الإعدام.
بعد بضعة أيام، عندما كنت أمشي مع “الأم الزرقاء” في السجن، سألتها: لماذا صليتِ كثيرًا في اليوم الذي أخذوا فيه الفتيات؟ قالت الأم: كنت أصلي من أجل رفعة رأسهن، هؤلاء بناتي العزيزات، وأستعيذ بالله من كل هذه الجرائم. ألم تريَ كم كانت نظراتهن نقية وبريئة؟
كانت “الأم الزرقاء” متسامية لدرجة أنني كنت في نفس العنبر معها لفترة طويلة، ولم أدرك أن ثلاثة من أبنائها وكنّتها قد استشهدوا، وأنها هي نفسها قضت عدة سنوات في السجن.

كم كانتا تذهبان بهدوء وبراءة…
في أحد أيام فبراير 1982، فُتح باب العنبر، ودُفعت فتاتان نحيلتان جدًا، كانتا توأمين وشقيقتين، إلى الداخل. كانت أقدامهما كدمات وجروحًا. ناهيد وهايده، من أهالي مدينة قزوين، وكلتاهما طالبتا جامعة. كنت أعرفهما، رأيتهما في جامعة ”شريف“ التكنولوجية وكنت أحبهما كثيرًا. في الأيام التي كنت أبحث فيها عن ضالتي، منظمة مجاهدي خلق، كان ملجئي الوحيد هو جامعة شريف التكنولوجية، وقد ساعدتني هايده وناهيد كثيرًا ومنحاني الأمل في الوصول إلى هذه الضالة. كنت دائمًا أنظر إليهما كأختين كبيرتين لي. وكنت أتمنى كل يوم وأنا في طريقي إلى المدرسة الثانوية أن أرى إحداهما. كنت أشعر بـ “شحن” مع كل ابتسامة منهما، وكنت أشعر أن لدي صديقتين عظيمتين وسندين مهمين. كانتا تعطيانني سراً سيرة شهداء المنظمة وتساعدانني لأتعرف على منظمة مجاهدي خلق الإيرانية أكثر فأكثر.
خلال الأسبوعين اللذين قضتهما الأختان في عنبرنا، كانتا تتعرضان للاستجواب والضغط يوميًا، وكانوا يضربون أقدامهما المُعذَّبة بالكابل كل يوم، لدرجة أن آثار الدم والصديد كانت تبقى مكان خطواتهما. كانت ناهيد وهايده صبورتين وهادئتين ووقورتين للغاية، ولم أسمع لهما حتى مرة واحدة أنينًا أو تنهيدة في الأسر والسجن. لم تكن جريمتهما سوى تأييد المجاهدين.
في صباح يوم 9 فبراير 1982، استدعوهما معًا للاستجواب، ولكن على عكس العادة، عادتا بسرعة، كل واحدة بعد نصف ساعة من الأخرى. ذهبت إليهما وسألتهما: ما الذي جعلكما تعودان مبكرًا اليوم؟ قالت ناهيد: اليوم أخذونا فوق جثتي أشرف وموسى وطالبونا بإهانتهما، لكنني رفضت. فقال لي المحقق: اذهبي وفكري، إما أن تطلبي الحضور للمقابلة بعد الظهر أو تكوني مستعدة لتنفيذ حكم إعدامك الليلة. وقيل لهايده نفس الكلام بالضبط.
جمعت الأختان أغراضهما، التي لم تكن سوى مجموعة واحدة من الملابس، فور وصولهما إلى العنبر، واستحمتا وصلّتا وانتظرتا أن يُنادى عليهما. لم تخبر الأختان أحدًا غيري أنهما ستعدمان الليلة، وكانتا هادئتين وساكنتين طوال تلك اللحظات.
في حوالي الساعة السادسة مساءً، ظهرت السجانة وهي تضحك ضحكة قبيحة، وقالت بهدوء: نادوا على ناهيد من الغرفة الثالثة. عندما جاءت ناهيد، قالت لها: خذي أغراضك وتعالي! وعندما عادت ناهيد، قالت نفس المرأة: نادوا على هايده أيضًا! وقالت لهايده نفس الكلام.
شعرت أن قلبي توقف. أبهذه البساطة، يأخذون إنسانين بريئين وطاهرين من جواري ليتم إعدامهما رميًا بالرصاص، دون أن أتمكن من فعل أي شيء؟!
وقفت هناك، لم يستغرق الأمر حتى خمس دقائق حتى وصلت ناهيد إلى باب العنبر. نظرت إليّ، تعانقنا. لن أنسى تلك اللحظة أبدًا. لم أجد أي كلمة لأقولها لها، وكأن كل شيء قد تلاشى من عقلي. قلت: ناهيد، في رعاية الله! بعد ذلك، جاءت هايده، وودعتها بالطريقة نفسها.
يا له من يوم غريب! كانت ناهيد وهايده صائمتين من أجل أشرف وموسى، والجلاد كان يطالبهما بإهانة قادتهما. وفت ناهيد وهايده بعهدهما في تلك الليلة، واستشهدتا بسبب وفائهما لمثل المجاهدين. في الواقع، يجب اعتبارهما، بكل براءتهما، جزءًا من شهداء عاشوراء المجاهدين.




















