في هذا العدد من مذكرات السجن لأعظم حاج حيدري، والمنشورة في كتاب ثمن البقاء إنساناً، تصف الكاتبة فترة أسرها في غرفة المحركات بسجن ”داد كستري“- العدلية، حيث خضعت لظروف غير إنسانية تهدف لإرغام السجين على الندم.
وكانت أعظم آنذاك معلمة شابة تتراوح سنها بين ۲۲ و ۲۳ عاماً، اختارت طريق النضال، وأمضت خمس سنوات في سجون العدلية المؤقتة، وإيفين، وقزل حصار، وكوهردشت، حيث تعرضت لتعذيب وحشي على يد حرس خميني.
غرفة محركات السجن
لم أكن أعرف لمدة ۲۰ يوماً في أي سجن أنا، لأنهم لم ينقلوني إلى زنازين السجن، بل اقتادوني إلى غرفة محركات السجن وألقوا بي في مكان ضيق للغاية، مظلم وقذر، لا يصلح حتى لإيواء حيوان. كانت غرفة صغيرة تعج بأنواع الحشرات والحيوانات المؤذية مثل الفئران والصراصير، حيث لم تتوفر أي مقومات للحياة. كانت أرضية الزنزانة ممرًا لمياه سوداء نتنة، وكان هواؤها شديد الحرارة وخانقاً. حرارة صيف طهران من جهة، والحرارة والغاز والدخان الناتج عن المحركات من جهة أخرى، كانت تجعل الوضع لا يُطاق حقاً. علاوة على ذلك، كانت الغرفة مظلمة ومليئة بالضوضاء المستمرة والمصمّة للآذان الناتجة عن المحركات والأجهزة المختلفة التي تعمل هناك. فضاءٌ سلب مني أدنى مستويات الراحة، والأسوأ من ذلك أن صرخات احتجاجي وطرقاتي على الباب لم تكن تصل إلى أي مكان.
في تلك الغرفة الصغيرة، لم يكن بإمكاني الجلوس، ولا النوم، ولا الأكل. وبعد يومين قضيتُهما جائعة، رموا أمامي طعاماً لا أدري ما هو في إناء معدني قذر ومكسور. طبعاً لم يكن قصدهم إطعامي، بل أرادوا إهانتي وتحطيمي عبر تقديم الطعام في إناء يُقدم فيه عادةً الطعام لكلب، وذلك لجرّي نحو الندم. لم آكل من ذلك الطعام، وطوال الأسبوع الذي قضيتُه هناك لم أذق لقمة واحدة، واكتفيت بشرب القليل من الماء بيدي من صنبور كان في المكان. خلال هذه المدة، ورغم ضعفي الجسدي الشديد، كنت أهمس وأكرر لنفسي باستمرار: “يا عدو البشر، لن أساوم أبداً!”، ومن هذه الجملة كنت أستمد الروح المعنوية والدافع.
بعد أسبوع، جاء المستجوبون واقتادوني معصوبة العينين إلى مكان آخر للاستجواب. هناك حاولوا ترهيبي عبر إيهامي بأن المكان مرعب؛ أحدهم كان يمسك بيدي ويقول: احذري! ستسقطين الآن! لا تصطدمي بالجدار! سيري ببطء! أو كانوا يتبادلون كلمات مخيفة بهدوء، مثلاً حول المصير المشؤوم الذي ينتظرني، أو يقولون: لا تقلقي سنعطيكِ ماءً قبل الإعدام. كما كانوا يبثون أصوات أنين وصراخ وعويل بشكل متواصل ويقولون: هذا هو مصير كل المنافقين! لكن إذا أردتِ يمكنكِ إنقاذ نفسكِ.
بعد فترة، أدركتُ أن شقيقتي “مهين” كانت هي الأخرى في غرفة مجاورة تخضع للاستجواب، وكانوا يطلبون منها معلومات عني، بينما كنتُ أنا بالفعل في قبضة أيديهم.
الانتقال إلى زنازين سجن العدلية؛ مكان قذر وملوث
بعد سلسلة من الاستجوابات، نُقلتُ إلى زنازين سجن العدلية، وهو سجن عادي كان يُحتجز فيه سجناء جرائم تهريب المخدرات. كانت بيئة هذا السجن قذرة وملوثة بشدة. بعد أسبوع، وبسبب غياب الحد الأدنى من النظافة، أصبتُ بأمراض جلدية وفطريات. خلال ۲۰ يوماً قضيتها في سجن العدلية، لم يأخذونا إلى الاستحمام ولو لمرة واحدة. لم نكن نملك ملابس سوى التي نرتديها، وحُرمنا من أي وسيلة أو إمكانية صحية أخرى. خلال هذه الفترة، لم نكن نستطيع حتى غسل ملابسنا، لذا كانت القذارة مستشرية. كل من يمرض كان ينقل عدواه للآخرين بسرعة، وكانت الفطريات الجلدية منتشرة على نطاق واسع. وبسبب تلك الظروف، بلغت الفطريات عندي حداً جعل قدمي مليئة بالجروح ولم أكن قادرة على المشي. كنتُ مضطرة للجلوس طوال ساعات اليوم باسطةً قدمي كي لا تحتكا ببعضهما فتزداد الجروح. كان السجانون يرون هذا الوضع، لكنهم لم يستجيبوا لطلبي بالحصول حتى على قطعة صابون، وكلما طلبتُ هذه الاحتياجات الأساسية، كانوا يقولون: قولي أولاً من أنتِ حتى يتقرر مصيركِ ونرى هل يمكن إعطاؤكِ أي “سم هاري” أم لا؟ لأنكِ إذا كنتِ منافقة، فيجب أن تُرسلي إلى الجحيم، وإذا لم تكوني، فعليكِ أن تقولي إنكِ لستِ كذلك! كان هذا الرد يتكرر بخصوص أي مسألة أو طلب.
العجوز الوحيدة والباكية
كان عنبرنا في سجن العدلية، كما قلتُ، يخص السجناء العاديين الذين تم نقلهم قبل وصولنا. فقط في إحدى الزنازين المقابلة لزنزانتي، بقيت امرأة يبدو على وجهها الانكسار والألم.
وكان وجهها ومظهرها يوحيان بأنها في السبعين أو الثمانين من عمرها، بينما لم تكن تتجاوز الخمسين. كانت تلتصق بباب الزنزانة من الصباح حتى المساء وتبكي. حاولتُ عدة مرات من خلف القضبان التواصل معها، وسألتها: ما هي جريمتكِ؟ لم تجب وكانت تكتفي بالبكاء. سألتها عن اسمها، ولم تجب أيضاً. باختصار، كلما أردتُ التحدث معها بكلمتين لتغيير جوها وتهدئتها، لم تكن تستجيب. ذات مرة، وبسبب بكائها ونحيبها المرير والمؤلم، بكيتُ أنا أيضاً وشعرتُ بالألم لأجلها.
لقد ألقوا بهذه المرأة العجوز وحيدة في زاوية زنزانة ولم يكترثوا لها. كان السجان يأتي مرة واحدة في اليوم فقط ليوجه لها أقذع الشتائم ويقول لها: أيتها العجوز الخرفة، ابقي هنا حتى تموتي! لقد تنفستِ أكثر من اللازم وهذا جزاؤكِ، إلا إذا أجبتِ على الأسئلة.
بعد أن تحدثتُ مع العجوز مرات عديدة وحاولتُ استنطاقها، وافقت أخيراً يوماً ما على الكلام. ورداً على سؤالي عن جرمها، قالت: “يا بنيتي، من سيصدقني حتى تصدقيني أنتِ؟”. ومع إصراري لعلها ترتاح قليلاً، قالت: “هؤلاء لفقوا صهري تهمة سرقة لأنه استقال من اللجنة وخرج، ولأنه يدعم منظمة مجاهدي خلق. ويقولون لي أنتِ من هربتِه وتعلمين أين مكانه. أنا الآن في السجن منذ أربعة أشهر، وصهري هارب، وهم يوجهون لي يومياً أنواع الإهانات والشتائم التي لابد أنكِ تسمعينها بنفسكِ. يقولون لي قولي أين ذلك الفاجر لتنجي. خلال هذه الأشهر الأربعة، لم يسمحوا لي بالاستحمام سوى ۳ مرات، وجسدي كله أصبح مليئاً بالقمل”.
يتبع




















