مذكرات سجن أعظم حاج حيدري من كتاب «ثمن البقاء إنساناً» – الجزء التاسع والعشرون
ما قرأونه في هذا المقال هو استمرار لمذكرات أعظم حاج حيدري في كتاب «ثمن البقاء إنساناً». فهي التي قضت 5 سنوات في مختلف سجون نظام خميني تحت أبشع أنواع التعذيب، ترسم في هذا الجزء من مذكراتها رواية مختلفة للمقاومة: كسر صمت المقابر المخيم على العنبر من خلال الفرح الجماعي.
وكيف استطاعت النساء المجاهدات في السجن، رغم ضغوط الجلادين وجواسيس العنبر، تغيير الأجواء الميتة للعنبر 2 بمبادرات بسيطة ولكنها مؤثرة وساحقة. بدءاً من إطلاق الألعاب الجماعية واستغلال أي حجة لإحداث الضجيج والتضامن؛ مروراً بقصة العثور على حلزون في قدر الطعام وإدارته في الغرفة، وصولاً إلى توزيع الضمادات اللاصقة الموجودة في الطعام بين العنابر لزعزعة النظام المفروض من قبل السجانين.
تُظهر أعظم حاج حيدري في هذه الذكرى كيف أنه حتى في حال كون المرء أقلية وقبول العقوبات الجماعية مثل إغلاق أبواب الزنازين، يمكن -عبر الحفاظ على الروح المعنوية البهية- خلق صميمية عميقة بين السجينات وإحباط مؤامرة الجلادين لدفن البشر أحياءً.
ذكرى تتضمن نداءات الفتيات المراهقات في العنبر (اللواتي كنّ في عمر 15-16 عاماً) ومزاحهن معها بلقب «الخال والخالة»، وصولاً إلى الحيل الدنيئة للجلادين مثل إلقاء الأفاعي وكيس من الصراصير داخل الزنازين لبث الرعب والترهيب.
العودة مجدداً إلى العنبر العام
وبالتدريج بدأنا ننظم ألعابًا جماعية أخرى. وكنا نبحث عمدًا عن الألعاب التي تسمح بمشاركة أكبر عدد ممكن، حتى تعم الفوضى والضجيج. حتى حل الكلمات المتقاطعة حولناه إلى مسابقة جماعية بين فريقين، وكان يجري وسط حماس شديد.
ومن أكثر المسابقات طرافة، والتي كانت تثير جنون الخائنات، مسابقات أكل الزبادي. وكنا نخصص للمسابقة جوائز أيضًا. وكانت إحدى الجوائز المحببة هي “حكاكة القدر” (“تهدیک” بالفارسية( فكنا نعطي الفائزة حصة إضافية منه فوق حصتها العادية.
كنا نستغل أي ذريعة لإثارة الحركة وكسر ذلك الهدوء الجنائزي الذي كان يلف العنبر. وفي أحد الأيام وجدت حلزونًا في طعامي. وضعته جانبًا، وبعد أن انتهت الأخوات من تناول الطعام، وقفت وقلت بجدية تامة: أيتها الأخوات، انتبهن! وحين ساد الصمت، قلت: أعتذر لأنكن أكلتن الطعام بالفعل، ولكن هذا الحلزون كان اليوم أيضاً توابل وجبتكن. فإذا وجدتن الطعام ألذ من المعتاد، فالفضل لهذا الحلزون!
ثم سلمت الحلزون إلى الأخت الجالسة بجانبي، لتناوله بدورها إلى من بجانبها. وأخذ الحلزون ينتقل من يد إلى يد في أنحاء الغرفة، بينما كان العنبر كله يغص بالهمهمات والضحكات والضجيج.
أما الخائنات، اللواتي كن يغتظن إلى حد الانفجار، فلم يجدن سوى الشتائم وإطلاق التهديدات.
وفي يوم آخر، وكانت أخواتنا مسؤولات لتوزيع الطعام، خرج من قدر الطعام عدد من لاصقات الجروح. قسمنا اللاصقات بين الغرف، واتفقنا أن تعلن المسؤولات لتوزيع الطعام في كل غرفة عند الساعة الواحدة والنصف، عن وجود لاصقات جروح في قدر الطعام. وهذا ما حدث بالفعل، فخلال ساعة واحدة ضج العنبر بأصوات الأخوات وصخبهن.
وبهذه الطريقة تبدلت أجواء العنبر 2، وخرجت من حالة الموت والسكون. وبالطبع كان ذلك يؤدي إلى تقارير الجساسوعات عن “مخالفة الضوابط”، وإلى الضرب والجلد على يد المحققين، أو إلى عقوبات جماعية مثل حبسنا داخل الزنازين لعدة أيام. لكن الجميع كن مقتنعات بأن هذا هو الثمن الذي ينبغي أن ندفعه من أجل أن نبقى أحياء، ونحافظ على إنسانيتنا، في مواجهة الجلادين الذين يريدون أن يدفنونا أحياء.
ونحن الأخوات الوافدات إلى ذلك العنبر، تعلمنا أيضًا درسًا جديدًا. كم كان جيدًا أننا لم نستسلم لتأثير الأجواء السائدة في العنبر 2. كما تعلمنا أنه حتى لو كنا بضعة أشخاص فقط، وفي أقلية كاملة، فإننا، إذا كنا مستعدات لدفع الثمن، نستطيع أن نغير الأجواء.
كانت الأخوات في العنبر، بعد هذا التغيير، قد أصبحن أكثر ألفة مع بعضهن. اسمحوا لي أن أروي مثالاً قد يبدو طريفًا بعض الشيء.
عندما اعتقلت، كان عمري 22 عامًا، ولذلك كنت أعد كبيرة في السن مقارنة بمعظم أخوات العنبر اللواتي كن طالبات مدارس ومراهقات في 15 أو 16 أو 17 من العمر. أتذكر أن “محبوبة”، وهي إحدى الطالبات ولم يكن عمرها يتجاوز 16 عامًا، وكانت فتاة جميلة جدًا، مرحة، مفعمة بالحيوية، وجريئة، لا تهدأ لحظة، كانت دائمًا تناديني: “يا خالي!”. فسألتها مرة: “محبوبة”، لماذا تنادينني “يا خال”؟ فقالت: لأن حنانك يذكرني بخالي! وكانت “نرجس”، وهي أيضًا من هؤلاء الأخوات، تناديني: “يا خالتي”.
وكان الجلادون والخائنات يستشيطون غيظًا من هذه التسميات. وحدث مرات عدة، عندما ذهبت إلى الاستجواب، كان محققي أثناء الاستجواب يذهب ويجيء فوق رأسي باستمرار، ويقول: أيتها المنافقة اللعينة، ماذا تفعلين في العنبر حتى ينادينك بالعمة والخالة والخال؟ كانوا، بحسب ثقافتهم القذرة، يربطون ذلك بكل أنواع الأوهام القذرة، محاولين تحطيمي ومنع قيام مثل هذه الألفة. أما أنا فكنت أستمتع لأنهم كانوا يغتاظون حتى من طريقة مناداة بعضنا بعضًا. لأنهم، هم أنفسهم، وكذلك عميلاتهم الخائنات، كانوا مكروهين إلى درجة أن أحدًا، حتى السجينات غير السياسيات اللواتي اعتقلن مصادفة، لم يكن مستعدات ليتحدثن معهم.
كان الجلادون يستخدمون كل وسيلة لإيذاء الأخوات وبث الرعب والوحشة بينهن. سمعت من أخوات العنبر 209 أنهم كانوا بعد كل جلسة استجواب وتعذيب يعيدون “معصومة عضدانلو” ويلقونها وحدها في إحدى زنازين العنبر 209. وكانت قد أصبحت، من شدة التعذيب، ضعيفة وعاجزة إلى درجة أنها لم تعد تملك حتى القدرة على مناداة السجانة.
وفي أحد الأيام، بينما كانت قد تعرضت لتعذيب شديد، فتحوا باب زنزانتها، ومن أجل تعذيبها أكثر ثم ألقوا ثعبان ماء داخل الزنزانة، فمضى ويتكور بجانب “معصومة”. ونظرت “معصومة” إلى الثعبان، وعرفت من لونه الأخضر أنه ثعبان الماء. وبينما كان قابعًا إلى جوارها، أخذت تمسح عليه بلطف وتنظر إليه بعينين مفعمتين بالحنان والشفقة. وبقي الثعبان متكورًا بجانبها حتى النهاية دون أن يتحرك.
وكان الجلادون، ظنًا منهم أن “معصومة” ستبدأ بالصراخ والعويل بمجرد إلقاء الثعبان في الزنزانة، ينتظرون خلف الباب. لكنهم مهما أصغوا، لم يسمعوا شيئاً، ولم يخرج أي صوت من زنزانة “معصومة”. وبعد عدة ساعات تعبوا، ففتحوا باب الزنزانة بحجة إعطائها الطعام، فخرج الثعبان من تلقاء نفسه، وبقي الجلادون في حيرة.
وكان الجلادون يستخدمون أيضًا كيسًا مليئًا بالصراصير لإيذاء وبث الرعب في نفوس الفتيات الصغيرات اللواتي كانوا يأخذونهن إلى الاستجواب، أو النساء اللواتي كن يعتقلن بسبب قضايا جنائية عادية، فيضعون أرجلهن داخل ذلك الكيس المملوء بالصراصير. كما كانوا يحاولون إدخال الرعب إلى قلوب السجينات بإلقاء الفئران أو الثعابين داخل زنازينهن…
وأتذكر أنه عندما دخلت للمرة الأولى إلى العنبر 7 في سجن قزل حصار، رأيت الفئران وهي تتجول وتستعرض في جميع الزنازين. وعند موعد تناول العشاء، كانت تمر بجوارنا بكل جرأة، حتى إنني شعرت بالخوف في البداية. وبعد العشاء، عندما صعدت إلى السرير في الطابق الثالث لأستريح قليلًا، رأيت الفئران أيضًا تستعرض فوق الحبال التي كانت الأخوات قد شددنها لنشر الملابس، وتقفز من حبل إلى آخر.
ظللت أحدق فيها لبضع دقائق، ثم سألت ضاحكة: هل لدينا اليوم عرض سيرك، أم أن الأمر يجري هكذا دائمًا؟ فهمت الأخت التي كانت إلى جانبي أنني أقصد مرور الفئران، فضحكت وقالت: لم يمضِ على وصولك سوى ساعتين، وتريدين أن تعرفي كل برامج العنبر؟ تجولي قليلًا في العنبر وستفهمين كل شيء.
فكرت في نفسي: لماذا أدع هذه الفئران تشغل ذهني؟ دعها وشأنها، فلكل واحد عمله. الفئران تمارس ألعابها، وأنا سأنام. استرحت ساعة، ثم استيقظت عندما مر أحد الفئران فوق قدمي. وبعد ذلك قلت لاثنتين أو ثلاث من الأخوات اللواتي كن يتحدثن معًا: ماذا تفعلن مع هذه الفئران حتى أصبحت تستعرض فوق رؤوسكن طوال الوقت؟ نظرن إلى بعضهن وضحكن وقلن: هنا يوجد من هذا كثير، ومع مرور الوقت ستعتادين عليها.
وفي أحد الأيام، أثناء التشمس، كانت “هنكامة” واقفة تتحدث مع شيء في يدها، وكانت عدة أخوات يضحكن حولها. اقتربت منها وسألتها: مع من تتحدثين؟ فتحت قبضتها قليلًا، وأرتني فأرة صغيرة، وقالت: أتحدث مع هذه السيدة الفأرة! عندها شعرت أن خوفي واشمئزازي من الفئران قد زال.
وبهدف كسر هيبة الملالي وعملائهم، تعلمنا جماعيًا كيف نتعايش مع الثعابين والفئران، ولنُري الجلادين أن هذه الأساليب لن تترك أدنى أثر في عزم المجاهد على المقاومة.








