مذكرات السجن لأعظم حاج حيدري من كتاب «ثمن البقاء إنساناً» – الجزء الثامن والعشرون
في هذا الجزء من مذكرات السجن لأعظم حاج حيدري في كتاب «ثمن البقاء إنساناً»، تروي إحدى فترات سجنها وتجربة نقلها مجدداً إلى العنبر العام؛ حيث كان يسود على السجينات صمت ثقيل كصمت المقابر بعد أشهر من الضغوط والتهديدات والسركوب. وتقول أعظم حاج حيدري، التي قضت ما مجموعه خمس سنوات من حياتها في مختلف سجون نظام خميني وتحت التعذيب والضغوط الشديدة، في هذا الجزء عن سعيها وسعي السجينات الجدد لكسر هذا الصمت وإعادة التواصل والروح الجماعية إلى العنبر.
يقدم هذا السرد صورة عن مقاوَمة السجينات بوجه محاولة نظام الملالي لفرض الخوف والانفعال؛ مقاوَمة تشكلت بالضحك والحوار وحتى بلعبة بسيطة للأطفال. وتتحول ذكريات لعبة «يه قل دو قل» بين النساء السجينات إلى رمز لاستعادة الفرح والحياة في فضاء حاولت عناصر النظام تحويله إلى صمت وموت صامت.
إن ما نقرؤه في هذا الجزء هو رواية كسر هذا الصمت بالذات؛ رواية نساء لم يسمحن للأنشطة والتهديدات والقمع داخل السجن بأن تسلب منهن كل معنى للحياة.
العودة مجدداً إلى العنبر العام
في أواخر عام 1984، وبعد نحو ثلاثة أشهر من نقلنا إلى إيفين، وبعد كل تلك الظروف الجحيمية التي فرضوها علينا، بدا أن هذه الإجراءات لم تؤد إلا إلى إنهاك العملاء أنفسهم. ومن جهة أخرى، بدا أنهم خلصوا ظاهريًا إلى أن جمع السجناء في مكان واحد لم يكن قرارًا صائبًا. وكان كل من “فكور” و”حلوايي” قد أفصحوا عن ذلك صراحة في صرخاتهم العنترية.
وعلى أي حال، قرروا مرة أخرى توزيع السجناء. ففي أحد الأيام جاءوا وقرأوا أسماءنا ضمن مجموعات من عشر أو خمس عشرة منا، ثم وزعونا على أجنحة مختلفة، في الطوابق العليا والسفلى. وكنت ضمن مجموعة من عشر سجينات، نقلنا إلى العنبر 2 في الطابق العلوي.
وقبل أن يأخذونا، جاء “حلوايي الغوريلا” إلى باب العنبر، وبدأ يرسم لنا الحدود ويقول: عندما تذهبن إلى هذا العنبر الجديد، عليكن الالتزام بقوانينه! وويل لمن لا تلتزم بها! وأخذ يطلق تهديدات من هذا القبيل…
وحين دخلنا العنبر الجديد، كنا نتحدث معًا ونضحك. لكن ما إن واجهنا الصمت الذي كان يخيم على العنبر، أي صمت السجينات اللواتي كن فيه قبلنا، حتى ساورنا للحظة شك: ترى، هل نحن من يقوم بشيء غير مألوف؟ كنا ننظر إلى وجوه السجينات الصامتات، ولم نكن نفهم سر هذا السكون الثقيل. لم تكن إحداهن تمشي في العنبر، ولا تتحدث مع الأخرى، ولا تضحك. وكان هذا الصمت الجماعي الخانق يجبرنا نحن أيضًا على الصمت.
أدخلوا كل بضعة منا إلى غرفة واحدة. وبعد أن وضعنا حقائبنا القليلة وأغراضنا البسيطة في الغرفة، قمنا بجولة في العنبر. ذهبت لألقي نظرة على التلفاز الذي كان يعمل، فإذا بـ”الملا قرائتي” ذلك المهرج، يتحدث. اشمأززت من سخافاته وعدت أدراجي. وفي طريقي رأيت “م”، وكنت أعرفها من قبل. اقتربت مني بهدوء وهمست في أذني: أعظم، هل تعلمين؟ هنا من القواعد أنه عندما يتكلم قرائتي، يجب على الجميع أن يجلسوا بصمت ويستمعوا إليه. ابتسمت ساخرة، وانفجر عدد من الأخوات اللواتي دخلن معي بالضحك أيضًا. أما “م” التي يبدو أنها لم تكن تتوقع مثل هذا الرد منا، فقد ارتبكت عندما رأت أن الوضع خرج عن السيطرة وأن أنظار الجميع اتجهت نحونا، فسارعت إلى العودة إلى مكانها وجلست.
وحين حان وقت الطعام، رأينا الجميع يأخذن وجباتهن، ثم تجلس كل واحدة في مكانها المحدد، حيث كان لكل واحدة مكان ثابت، وتأكل وحدها.
أما أنا، فلم أعر ذلك أي اهتمام. جلست أمام إحدى الأخوات وبدأت أتناول الطعام معها. فجاءت إحدى الخائنات وكانت تعد مسؤولة الغرفة، وقالت: اذهبي واجلسي في مكانك! قلت لها: وهل كتبوا اسم كل واحدة على مكانها؟ قالت: لا، أنا التي أحدد الأماكن!
تجاهلتها، وواصلت تناول الطعام. وكذلك فعلت بقية الأخوات اللواتي جئن معي. وبهذا نسفنا عمليًا القواعد التي كان الجلادون قد فرضوها في ذلك العنبر.
سألت إحدى السجينات: لماذا الوضع هنا هكذا؟ لماذا الجميع ساكنات، صامتات، جامدات كأنهن تماثيل؟ فروت لي كيف ضيقت الخائنات الخناق على الأخوات، وكيف كن يستدعين كل يوم وحدة التدخل إلى العنبر بحجة من الحجج، فينهال عناصرها على الأخوات ضربًا مبرحًا. وكيف كانت الخائنات يفتعلن يوميًا، بذريعة تطبيق القواعد، الشجارات والمشاحنات وحروب الأعصاب… حتى انتهى الحال بالعنبر إلى ما رأيناه بأعيننا.
لكن هذه التبريرات لم تكن مقنعة بالنسبة لنا نحن الوافدات الجدد. فقد كنا قد نجحنا في العنابر الأخرى في كسر هذا الخط الذي فرضه النظام. جلسنا معًا وتحدثنا، وقلنا: واجبنا أن نحطم هذا الجو الجنائزي الذي يخيم على هذا المكان. ولكن كيف؟ أول ما ينبغي علينا فعله هو كسر هذا الصمت. فنحن في الأصل لا نجيد التحدث همسًا، ولا نعرف كيف نضحك بخفوت. نحن “قليلات الأدب”، أليس كذلك؟
وبالتدريج بدأنا نرى أن الجليد أخذ يذوب. رأينا أن الأخوات في العنبر بدأن يختلطن بنا نحن الوافدات الجديدات، ويتحدثن معنا، بل وبدأن أيضًا يتحدثن ويضحكن فيما بينهن في زوايا العنبر. لكن ذلك لم يكن كافيًا بعد.
في أحد الأيام عادت “نرجس” من الاستجواب، وكانت قد أحضرت معها عددًا من الحصى الصغيرة. سكبت الحصى في وسط الغرفة وقالت: أعظم، ما رأيك أن نلعب “لعبة الحصى” (“یهقل دوقل” بالفارسية)؟ في البداية استغربت قليلًا! “لعبة الحصى” في سجن سياسي؟! وانفجرت الشهيدة “ليلا أرفعي” بالضحك، وقالت: معها حق. هيا نعد إلى أيام الطفولة، وعندما نكبر، سنرى أي مجاهدات سنصبح!
وافقت، وجلسنا نلعب. كنا في البداية خمسًا: أنا و”ليلا” و”مهري حاجي نجاد” و”محبوبة” و”نرجس”. وبعد قليل انضمت إلينا خمس أخريات، فأصبحنا فريقين من خمس لاعبات، وبدأت بيننا منافسة.
تحولت الغرفة إلى خلية من الضجيج، وامتلأ العنبر بأصوات الضحك والصياح والهتاف والتشجيع.
في الناحية الأخرى من الغرفة، كانت اثنتان من الخائنات تجلسان بوجوه عبوسة متجهمة، تنظران إلينا بحنق وتتمتمان بالشتائم، لكنهما لم تكونا تجرؤان على الاقتراب لإفساد اللعبة. وفي النهاية أدركتا أن المكان لم يعد لهما، بل لنا، فنهضتا. التفتت إحداهما نحوي، وبذات اللغة الرديئة الهابطة التي تعلمتها من المحققين، ثم أخذت تهددني قائلة: أيتها المنافقة، أنت من يقود هذا النهج! انتبهي لنفسك! ثم وجهت الأخرى شتيمة إلى “نرجس”. لكن “نرجس” كانت غارقة في اللعب وفي أجوائه إلى درجة أنها لم تنتبه إليها أصلًا.
غادرتا الغرفة، ولم أعرهما أي اهتمام. وتذكرت كلام “هنكامة”، وقلت في نفسي: لقد أخطأتم! ماذا بقي لديكم لتفعلوه ولم تفعلوه حتى الآن؟ افعلوا ما شئتم!
يتبع








