مذكرات السجن لأعظم حاج حيدري من كتاب “ثمن البقاء إنساناً” – الجزء السابع
في العدد السابع من سلسلة مذكرات السجن لأعظم حاج حيدري، المنشورة في كتاب “ثمن البقاء إنساناً“، تكتب المؤلفة عن أشكال المقاومة المتنوعة التي أبداها السجناء المتمسكون بمواقفهم في سجن إيفين، والتي أدت إلى دحر الجلاد وهزيمته.
كانت أعظم في ذلك الوقت معلمة شابة في سن الثانية والعشرين أو الثالثة والعشرين من عمرها، عندما خطت خطواتها الأولى في مسيرة النضال. وقد أمضت 5 سنوات في سجون العدلية المؤقتة وإيفين، وقزل حصار، وكوهردشت، حيث تعرضت لشتى أنواع التعذيب الوحشي على أيدي حراس خميني.
السجناء المتمسكون بمواقفهم وأساليب مقاومتهم
لم يكن الجلاد يريد تحطيم السجين جسدياً فحسب، بل كان هدفه الأول والأساسي هو سحق روحه المقاومة والنضالية وهويته الإنسانية؛ ولذلك كان يبذل قصارى جهده لعزلنا بعضنا عن بعض، ومن ثم الاستفراد بكل منا وتحطيمنا فرادى. فقد أدرك الجلاد جيداً أن صمودنا ومقاومتنا مستمدان من وجودنا معاً وعيشنا كجماعة. وفي المقابل، كنا نفكر دائماً في التدابير والابتكارات التي تمكننا من البقاء معاً، لنشد من أزر بعضنا البعض، ونطور من قدراتنا، ونبث في نفوسنا الأمل والثقة بالنفس.
اقترحت إحدى السجينات أن تقوم كل واحدة منا، ممن تنتمي إلى مدينة معينة أو تمتلك معلومات وافية عنها، بتقديم محاضرة حول تلك المدينة، لتسرد للباقين كل ما تعرفه عنها؛ بدءاً من تاريخها، مروراً بعاداتها وتقاليدها، وصولاً إلى لغتها ولهجتها ووضعها الاقتصادي والاجتماعي. ولاقى هذا الاقتراح ترحيباً حاراً من البعض، وأطلقنا على هذا البرنامج اسم “جولة في مدن إيران”.
كانت بعض السجينات يقدمن حقاً معلومات شاملة ومثيرة للاهتمام، ومن بينهن الشهيدة مهدخت محمدي زاده، التي حدثتنا عن مسقط رأسها، مدينة كرمان. كانت محاضرتها دقيقة ورائعة لدرجة أنني قلت لها: “يا مهدخت، أشعر الآن وكأنني رأيت كرمان بعيني، وإذا ما زرتها يوماً، سأتمكن من التجول فيها وأنا مغمضة العينين”. وفي اليوم الذي اقتادوها فيهللإعدام، التفتت إلي وقالت: “يا أعظم، إذا أُطلق سراحكِ، فلا تنسي كرمان، ولا تفوتي فرصة تأمل سمائها المرصعة بالنجوم والجميلة ليلاً!”. ثم قبلتني بابتسامتها الدافئة والمليئة بالشفقة، ومضت.
زهرا نظري: وجدت الحب والحرية في قضية مجاهدي خلق
وكانت المواضيع العلمية محوراً آخر من محاور تلك المحاضرات. فكل من كانت لديها معلومات بفضل تخصصها الدراسي أو مطالعاتها الشخصية، كانت تضعها تحت تصرف الجماعة على شكل محاضرة. وفي إحدى المرات، وأثناء حديثي مع زهرا نظري، أخبرتها بأنني مهتمة بعلم الأحياء وقصة نشوء وتطور الأرض والكائنات الحية. فقالت لي: “من حسن الحظ أن تخصصي الجامعي كان علم الأحياء، وكنت أعشقه كثيراً”.
فسألتها: “وهل توقفتِ عن عشقه الآن؟”. فأجابت: “كلا، ولكن حلّ حبٌّ أسمى وأكبر غطى عليه، وهو حب الحرية الذي وجدته في قضية ومبادئ مجاهدي خلق”. ثم سألتني: “هل ترغبين في أن أقيم لكِ درساً في علم الأحياء والتطور؟”. ففرحت كثيراً وقلت لها: “بالتأكيد! ولكنكِ تخضعين للتحقيق والاستجواب!”. فقالت: “لا تشغلي بالكِ بهذا الأمر!”. وبالفعل، وضعنا برنامجاً وكانت تخصص لي ساعتين يومياً تشرح لي فيها، وكأنها أستاذة خبيرة ومتمكنة، ورغم عدم توفر أي كتاب أو ملزمة بين يديها، بل كانت تعتمد كلياً على ذاكرتها، فسردت لي دورة مشوقة للغاية عن قصة نشوء وتطور الأرض ومختلف كائناتها الحية، وبأسلوب حلو وممتع لدرجة أن الكثير من تلك المعلومات لا يزال راسخاً في ذهني حتى اليوم، رغم مرور أكثر من 20 عاماً.
كانت زهرا تفيض حباً وشعوراً بالمسؤولية تجاه كل واحدة من السجينات. وعلى الرغم من أنها قضت فترة طويلة تحت وطأة أشد أنواع التعذيب، إلا أنها كانت تبدو وكأن شيئاً لم يحدث لها. لم تكن تتحدث يوماً عن التعذيب الذي تعرضت له أو عن مقاومتها، بل كنا نسمع عن ذلك من السجينات الأخريات اللواتي شهدن شجاعتها وصمودها في أروقة وغرف التحقيق، وكافحت حتى جعلت المحققين عاجزين تماماً، وحرمتهم من نيل أمنيتهم في الحصول منها ولو على كلمة معلومات واحدة.
وهكذا، في ذلك الجحيم الذي كانت ظروفه أسوأ بكثير مما قرأناه وسمعناه عن معسكرات الموت النازية، عشنا لحظات وساعات حلوة بفضل الاعتماد على مثل هؤلاء الثوار والاستناد إليهم، وبسبب هذه العلاقات الإنسانية العميقة والقواسم العقائدية المشتركة. لقد أدركنا جيداً أنه يتعين علينا الحفاظ على معنوياتنا بأي وسيلة كانت، وألا ندع العدو يحقق هدفه المتمثل في تحطيم معنوياتنا وبث اليأس في نفوسنا.
وكانت الأشغال اليدوية وصناعة الأشياء المختلفة بأيدٍ فارغة وبأقل الإمكانيات المتاحة في السجن، إحدى وسائل الحفاظ على هذه الروحية العالية.
أشغال يدوية جميلة بنوى التمر وعظام الطعام
على سبيل المثال، كانت السجينات يصنعن مطرزات غاية في الروعة والجمال عن طريق سحب الخيوط الملونة من ملابسهن القديمة. وكنّ يستخدمن كل ما يقع تحت أيديهن؛ من نوى التمر إلى عظام الطعام التي كنا نضعها في الماء لفترات طويلة حتى تصبح بيضاء، ومن ثم نقوم بصقلها والحفر عليها، وصولاً إلى الأحجار التي كنا نلتقطها سراً من باحة السجن أثناء توجهنا إلى غرف التحقيق، لنقوم بنحتها وصنع تماثيل صغيرة أو تصاميم جميلة منها. وكانت كل هذه الأعمال تمثل مظاهر وجوانب مختلفة من المقاومة والصمود في وجه الجلاد.
وكان الجلاد لاجوردي وجواسيسه في الردهة يستشيطون غضباً من هذه الأعمال، وحاولوا بشتى الطرق من ضرب وتعذيب وتهديد وترهيب الحيلولة دون قيامنا بهذه الأشغال. ولم يكن لدى العديد من السجينات أي شيء يذكر في ملفاتهن، أو أنهن اعتقلن لأسباب تافهة للغاية، ولكنهن تحملن أقصى درجات الضغط في السجن لمجرد إبدائهن هذا النوع من المقاومة، ونال العديد منهن الشهادة لمجرد أنهم أصبحن محط غضب وأحقاد الجلادين.
وضمت ردهتنا أفراداً متنوعين يمثلون طيفاً اجتماعياً واسعاً؛ من طالبات المدارس اللواتي تتراوح أعمارهن بين 14 و15 عاماً، إلى طالبات الجامعات والخريجات، والطبيبات، والموظفات، وربات البيوت، وغيرهن من ذوات المكانات الاجتماعية المختلفة. بيد أن هذا التنوع لم يكن سبباً في الفرقة والخلاف, بل كان دافعاً لتقوم كل واحدة بمساعدة الأخريات بما تتقنه وتمتلكه من نقاط قوة.
وكانت الميزة المشتركة لهذه المجموعة المتنوعة هي الحيوية والروح المعنوية العالية والصمود؛ وهو الأمر الذي كان يغيظ الجلادين والخونة ويؤلمهم بشدة، لدرجة أنهم لم يكونوا قادرين على تمالك أنفسهم، فكانوا يعبرون عن هذه الحقيقة بألسنتهم، ويحاولون عبر استخدام كلمات مثل “عديمات الإحساس” و”بليدات” وغيرها، النيل من بهجة السجينات، أو السعي لعزل وتمييز السجينات الأكبر سناً بعض الشيء عن البقية من خلال هذه الإيحاءات والافتراءات. ولكن، كانت مناوراتهم وحيلهم هذه تبوء بالفشل دائماً.




















