في 9 مايو/أيار 2026، نشرت صحيفة “ديلي ميل” مقابلة مع السجينة السياسية السابقة وعضو منظمة مجاهدي خلق والناشطة في مجال حقوق الإنسان، شبنم مددزاده. أجرت الحوار “إلينا سيلفر”، كبيرة مراسلي القسم الدولي.
في هذه المقابلة، تتحدث شبنم مددزاده عن تجاربها في سجون نظام الملالي، وتكشف الأبعاد الخفية للعنف والتعذيب والانتهاكات الواسعة لحقوق الإنسان داخل هذه السجون.
“لقد شهدت أهوالاً لا يمكن تصورها في زنزانات التعذيب الإيرانية، بما في ذلك سماع صرخات ضحايا الاغتصاب. هدد الحراس بإعدام أخي أمام عينيّ إذا لم أوقع على اعترافات كاذبة.”
عاشت شبنم مددزاده لمدة 70 يوماً بمفردها في زنزانة تبلغ أبعادها حوالي ثلاثة أمتار في مترين. لم يكن في هذه الغرفة شيء تقريباً سوى ثلاث بطانيات، وسجادة رقيقة، ومصباح فلورسنت حارق فوق رأسها لا ينطفئ أبداً.
صودرت ساعتها عند دخولها مع كافة متعلقاتها الشخصية، ولم يتبقَ لها وسيلة لتمييز الليل من النهار. لكن هذا الصمت نادراً ما كان يطول ليصبح مريحاً، فمن الأجزاء الأخرى في العنبر 209 بسجن إيفين، كان بإمكان مددزاده سماع صرخات النساء اللواتي يصرخن جراء الضرب والاغتصاب.

تقول: “تسمعون أصوات صراخ وبكاء وتوسل الناس. أحياناً تتخيلون أن هذه الأصوات تخص أفراد عائلتكم؛ تعتقدون أنها ربما لأخيكم أو أختكم. هم يريدونكم أن تسمعوا هذه الأصوات لكي يحطموكم.”
ثم كان باب الزنزانة يُفتح كالمعتاد ليعلن دورها. كان المحققون، بينما يبدؤون بضربها، يقولون لها: “يمكننا فعل أي شيء بكِ ولن يسمع أحد صوتكِ.”
وكانت مددزاده في الحادية والعشرين من عمرها عندما اعتُقلت في طهران عام 2009، وحُكم عليها بالسجن لمدة خمس سنوات بسبب معارضتها للنظام. في ذلك الوقت، كانت تدرس علوم الكمبيوتر في الجامعة وانضمت إلى الحركة الاحتجاجية الطلابية في إيران خلال فترة رئاسة محمود أحمدي نجاد.
بعد أكثر من عقد على إطلاق سراحها من السجون الإيرانية القاسية، لا تزال مددزاده البالغة من العمر 38 عاماً غير قادرة على محو الأهوال التي عاشتها من ذاكرتها، وهي تشارك تفاصيل روايتها مع ديلي ميل.
في يوم اعتقالها، كانت تستقل سيارة أجرة للقاء نشطاء آخرين عندما أوقف عناصر المخابرات السيارة. تقول: “لم يبرزوا أي وثيقة ولم يشرحوا شيئاً. في البداية لم أدرك حتى أنني أتعرض للاعتقال، كان الأمر يشبه الاختطاف.”
أخبرها العناصر في البداية أنها تُعتقل بسبب مخالفات بسيطة، وأوحوا لها أن الموضوع قد يتعلق بانتهاك قوانين الحجاب. فقط لاحقاً، وبعد نقلها إلى القسم الاستخباراتي في سجن إيفين، أدركت السبب الحقيقي لاعتقالها. تقول: “اقتادوني إلى العنبر 209 في سجن إيفين الخاضع لسيطرة الأجهزة الاستخباراتية. إنه مكان سيء السمعة للغاية ويضم عدداً كبيراً من الزنزانات الانفرادية، حيث يُحتجز المتهمون بالأنشطة السياسية.”
تقول مددزاده إن عناصر المخابرات طالبوها بالاعتراف بالارتباط بمنظمة مجاهدي خلق، وهي جماعة معارضة في المنفى تُعرف رسمياً بهذا الاسم، لأن بعض أقاربها كانوا على صلة بهذه المنظمة. أراد المحققون منها إدانة هذه الجماعة علناً والمشاركة في اعتراف تلفزيوني.
تتذكر قائلة: “أرادوا مني أن أقول كل ما يملونه عليّ. كانوا يريدون اعترافات قسرية.”
وعندما رفضت، تعرضت لضرب مبرح بالعصي والكراسي والسياط. وخلال التحقيقات، كانوا يعصبون عينيها ويجبرونها على الوقوف في مواجهة الجدار، بينما يحيط بها ما يصل إلى ستة حراس لتنفيذ هذا الهجوم العنيف.
كان الحراس يهددونها بالاغتصاب ويقولون بسخرية إن أحداً لن يسمع صراخها. ووقعت إحدى أكثر اللحظات صدمة خلال فترة سجنها أثناء جلسة تحقيق حضرها شقيقها الذي اعتُقل تزامناً معها.
ذات يوم، أمر الحراس ”مددزاده“ بنزع عصبة العين. كان شقيقها واقفاً أمامها والمحققون يحيطون به. تقول: “أجبروني على المشاهدة بينما بدؤوا يضربونه أمام عينيّ. أرادوا منه انتزاع اعتراف كاذب وأرادوا منه أن يقنعني بفعل الشيء نفسه.”
وتقول إن المحققين هددوا بإعدامهما معاً، وقالوا إنهم سيعدمون شقيقها أولاً بينما تشاهده هي. قالوا لها بسخرية: “سترينه للمرة الأخيرة.”
بعد ذلك، لم يعد يغلبها النوم. تقول: “كنت أبقى مستيقظة كل ليلة أنتظر قدومهم. أردت أن أكون مستيقظة إذا جاءوا لاقتيادي نحو الإعدام.”
وتشير إلى أن التعذيب النفسي المستمر كان أسوأ من الضرب، لأن العناصر كانوا يهددون بانتظام باعتقال وتعذيب أفراد آخرين من عائلتها. “قالوا لي إن والديّ وأصدقائي قد اعتُقلوا بالفعل. قالوا إنه لا أحد يعرف أين أنا ولن يساعدني أحد.”
تقول مددزاده إنها سمعت مراراً روايات من سجينات أخريات يتحدثن عن الاغتصاب أثناء التحقيقات، لا سيما النساء المعتقلات بتهم جنائية عادية واللواتي لا يملكن أي ظهور خارجي أو دعم سياسي. تقول: “بالنسبة للسجينات العاديات، لا أحد يسمع صوتهن. كثير منهن كنّ نساء فقيرات لا يحميهن أحد.”
وتتذكر امرأة التقتها تعرضت للاغتصاب مراراً خلال التحقيقات حتى وقعت على اعتراف. تقول: “كانت أماً لطفلين. في البداية رفضت الاعتراف، ولكن بعد الاغتصاب والتعذيب المتكرر، أُجبرت في النهاية على التوقيع علي اعتراف.
في الزنزانة الانفرادية، لجأت للحفاظ على صحتها العقلية إلى وضع برامج ثابتة؛ مثل ممارسة الرياضة، ومراجعة دروس الجامعة ذهنياً، ودندنة الأغاني لنفسها، لأنها كانت محرومة من الكتب والأقلام والأوراق. تقول: “كنت أحاول إبقاء ذهني نشطاً، لأنك إذا فقدت عقلك هناك، ستفقد كل شيء.”
كما كانت تضع خطوطاً على الجدار لإحصاء الأيام التي قُضيت في الزنزانة. تقول: “تفقد الشعور بالواقع بسرعة كبيرة.”
وجدت مددزاده أيضاً السلوى في ذكرى من نجوا قبلها، واستمدت القوة من كتابة على جدار الزنزانة تركها سجين معروف. توضح قائلة: “من العادات في هذه السجون أن يكتب السجناء السابقون شيئاً على الجدار. عندما دخلت الزنزانة، رأيت اسم ”سعيد ماسوري“. رؤية اسمه منحتني القوة. ذكرني ذلك بأنني لست الأولى التي تخوض تجربة هذا النوع من السجون، ولن أكون الأخيرة طالما هذا الحكم قائم.”
يُعد ”ماسوري“ صاحب أطول فترة اعتقال سياسي في إيران، وهو يقبع في طابور الإعدام منذ أكثر من 25 عاماً. وضعت مددزاده رسالتها الخاصة أيضاً على الجدار، ونقشت بيتاً للشاعر الفارسي حافظ الشيرازي: “لم تستطع السماء حمل أمانة العشق، فقرعوا القرعة باسمي أنا المجنون.”
بعد 70 يوماً من الحبس الانفرادي، حُكم عليها رسمياً بالسجن خمس سنوات، ونُقلت بين سجون مختلفة، منها “كوهردشت” في كرج وسجن “قرجك” في ورامين؛ حيث تصف الأوضاع هناك بأنها كانت أسوأ.
تقول: “الوضع في قرجك كان أسوأ من أي مكان آخر. الماء لم يكن صالحاً للشرب، حتى غسل الملابس به كان يؤدي لتلفها فوراً. الطعام كان فاسداً وغير قابل للأكل، والسجناء كانوا يمرضون باستمرار ويعانون من سوء تغذية حاد. عملياً لم يكن لدينا لحم أبداً، كان المعظم أرزاً ومرقاً مائياً. كان يجب شراء المستلزمات الضرورية من متاجر السجن بأسعار مرتفعة للغاية، مما جعل السجناء الفقراء يعتمدون على موارد السجن غير الكافية. أحياناً كان يوجد في المتجر معلبات سمك، ربما مرة في الشهر، لكن الكثيرين لم يستطيعوا شراءها. وفي الوقت نفسه، كانت الرعاية الطبية منعدمة، وكان حرمان السجناء من العلاج الحيوي يُستخدم كشكل آخر من أشكال العقاب المتعمد ضدهم. كان طبيب السجن يقول عندما يتوسل السجناء للعلاج: ‘لم نأتِ بكم إلى هنا لندللكم، بل جئنا بكم لنعذبكم’. كان هناك سجناء فقدوا حياتهم لعدم تلقيهم الرعاية الطبية، حيث رفض المسؤولون نقلهم للمستشفى.”
رغم المراقبة الدائمة، بدأت مددزاده بتوثيق ما تراه داخل نظام السجون سراً. كانت تهرب الرسائل والشهادات عبر المكالمات الهاتفية والزيارات العائلية السرية. وصلت بعض هذه الروايات لاحقاً لمنظمات دولية وجماعات حقوقية، منها منظمة العفو الدولية التي أشارت لقضيتها في تقاريرها عن إيران.

ومن بين النساء اللواتي التقتهن في السجن، “شيرين علم هولي”، وهي سجينة سياسية كردية أصبحت من أقرب صديقاتها بعدما تشاركتا الزنزانة. لم تكن شيرين قد أكملت دراستها قبل السجن، لذا اجتمعت السجينات لتعليمها التاريخ والجغرافيا ودروساً أخرى. كانت ”علم هولي“ تأمل في أداء امتحاناتها مستقبلاً، لكن ذلك الحلم تحطم بصدور حكم الإعدام بحقها.
تقول مددزاده: “قلت لها إن هذا لن يحدث. قلت إن الناس في الخارج سيحاولون منع إعدامها. كنا نخطط للمستقبل؛ تخيلنا أننا سنسافر بعد الحرية، ونذهب لجبال تبريز ونعيش بحرية. كانت تتحدث اللغة التركية أيضاً، وهي لغتي الأم، لذا كنا نغني معاً.”
ذات ليلة، جاء الحراس لاصطحاب علم هولي مدعين وجود مشكلة في وثائق ملفها. تقول مددزاده: “بعدما اقتادوها، أغلقوا كل أبواب السجن. أدركنا أن هناك خطباً ما.”
انتظرت مددزاده عودتها طوال الليل، لكنها لم تعد أبداً. في صباح ذلك اليوم، 9 مايو/أيار 2010، أُعدمت شيرين علم هولي شنقاً مع أربعة سجناء آخرين.
بعد خمس سنوات من الصمود وسط الانتهاكات والتحقيقات والأوضاع الكارثية في أسوأ سجون إيران، أُطلق سراح مددزاده أخيراً. تقول إن حريتها كانت مشوبة بالمرارة: “كان الأمر صعباً للغاية. مغادرة السجن تعني ترك الكثيرين ممن أهتم لأمرهم خلفي. أتذكر رؤية عائلات السجناء الآخرين، خاصة الأطفال الذين كانت أمهاتهم لا تزال في الداخل. كان ذلك مؤلماً جداً.”

في الوقت نفسه، شعرت بمسؤولية ثقيلة لمواصلة كشف مظالم السلطة، رغم إدراكها للعواقب. تقول: “بقيت في إيران في البداية وحاولت مواصلة دراستي وأنشطتي، لكنني كنت تحت المراقبة الدائمة. كانوا يتصلون بي ليذكروني بأنهم يعرفون ما أفعل. شعرت أنني خرجت من سجن لأدخل سجناً من نوع آخر. أدركت أنني لا أستطيع الاستمرار هكذا، فغادرت إيران. لم أرحل من أجل حياة أفضل، بل لمواصلة عملي والتحدث عما رأيته.”
تعيش مددزاده الآن في سويسرا وتتعاون مع منظمات منها الأمم المتحدة لرفع مستوى الوعي حول انتهاكات حقوق الإنسان في إيران. ليس لديها أي تواصل تقريباً مع عائلتها التي لا تزال في البلاد، لأنهم تعرضوا سابقاً للمضايقات والتحقيق بسبب الحديث معها. تقول: “هذا ثمن أنا مستعدة لدفعه. عندما غادرت إيران، لم يكن ذلك من أجل الحرية أو الراحة الشخصية، بل كان التزاماً بمواصلة هذا العمل.”
وفي ظل صراع متوتر ومأزق يدفع فيه المدنيون الإيرانيون الثمن الأكبر من التهديدات، سألتُ مددزاده عما إذا كانت الثورة الداخلية ممكنة أم أن قنابل ترامب هي السبيل الوحيد لإسقاط النظام. فأجابت: “الشعب يعاني، ولا أحد يريد أن تُقصف بلاده. هذه فكرة غير واقعية. الناس يريدون التغيير، ولكن ليس عبر تدمير بلدهم. في الأشهر القليلة الماضية لم يحدث شيء؛ قُتلت بعض الشخصيات الرئيسية لكن النظام لا يزال قائماً. أنا أؤمن أن التغيير الحقيقي سيأتي من داخل إيران، من الشعب ومن المقاومة المنظمة.”

تطالب مددزاده المجتمع الدولي بأن يكون أكثر حزماً في إدانة الإعدامات المتواصلة والاعتقالات وقطع الإنترنت في إيران.
“يجب على الحكومات التحرك بما يتجاوز إصدار البيانات. عليهم اتخاذ إجراءات فعلية للضغط على النظام، بما في ذلك الإجراءات الاقتصادية والدبلوماسية، لوقف الإعدامات وانتهاكات حقوق الإنسان. يمكنهم فعل الكثير؛ يمكنهم إغلاق السفارات وقطع معاملاتهم مع النظام. يجب أن يدرجوا قضايا حقوق الإنسان في مفاوضاتهم. حالياً، هناك عدد كبير من السجناء السياسيين يواجهون خطر الإعدام، بعضهم صغار جداً في السن. نحن لا نعرف حتى أسماءهم جميعاً. أطلب من الناس التحدث عنهم وزيادة الوعي، لأن هذا قد يساعد في إنقاذ الأرواح.”



















