مذكرات السجن لأعظم حاج حيدري من كتاب ثمن البقاء إنساناً – الجزء الخامس
في الحلقة الخامسة من مذكرات السجن لأعظم حاج حيدري المنشورة في كتاب ثمن البقاء إنساناً، تكتب المؤلفة عن نقلها إلى سجن إيفين والأوضاع المزرية هناك، وأيضاً عن ابن عمها الحرس أبو الفضل حاج حيدري، الذي كان مسؤول السجن آنذاك والمعروف باسم ”حسني“.
وكانت أعظم في ذلك الوقت معلمة شابة تبلغ من العمر ۲۲-۲۳ عاماً، وقد خطت خطواتها في طريق النضال. قضت ۵ سنوات في سجون العدلية المؤقتة، وإيفين، وقزل حصار، وكوهردشت، وتعرضت لتعذيب وحشي على يد حرس خميني.
النقل إلى سجن إيفين
أخيراً، في أحد أيام أواخر أغسطس ، اقتادوني أنا وأختي مهين التي كانت في حالة جسدية وخيمة، ورمونا داخل سيارة. غطوا رؤوسنا وأجسادنا بالبطانيات بحيث لا نرى شيئاً في الخارج، وهكذا نقلونا إلى إيفين واقتادونا مباشرة إلى شعبة التحقيق. بقينا ننتظر التحقيق في تلك الشعبة حتى منتصف الليل.
بعد ساعات من الانتظار، أجروا معنا تحقيقاً أولياً وأخذوا أسماءنا وبياناتنا، ثم نقلونا إلى العنبر ۲٤۰ في إيفين. كان هذا العنبر يتكون من ثلاث غرف؛ إحداها كانت مخصصة لأنصار الشاه الذين كانوا يتمتعون بكافة الإمكانيات التي يمكن أن يحصل عليها سجين، وكانوا أصدقاءً لحرس العنبر ويوفرون لهم كل ما يطلبونه.
أما الغرفتان الأخريان فكانتا لبقية السجناء، حيث كان ٧٠ بالمئة منهم من طلاب المدارس وطلاب الجامعات، و٣٠ بالمئة الباقون من فئات مثل المعلمين، الأطباء، الممرضات، والموظفين… إلخ. في كل غرفة، وبأبعاد تبلغ ۵ في ٣ أمتار، حشروا ما بين ۵۰ إلى ٧٠ شخصاً لدرجة أننا كنا مضغوطين بشدة، لكنهم لم ينقلوا السجناء إلى مكان آخر.
ثلاث تلميذات صغيرات في عنبر النساء
كان لدينا في هذا العنبر ثلاث تلميذات صغيرات لا تزال أسماؤهن الأولى محفورة في ذاكرتي: فرزانة (۱۱ عاماً)، فروغ (۱۲ عاماً)، وزهراء (۱۵ عاماً). كانت تهمتهن مناصرة لمنظمة مجاهدي خلق، لكن في الواقع، كان هؤلاء الطفلات قد أُخذن كرهائن لإجبار إخوتهن أو أخواتهن أو والديهن على تسليم أنفسهم.
وكانت فرزانة وفروغ صغيرتين لدرجة أنهما كانتا تنامان أثناء التحقيق، وفي الأوقات التي كان الحرس يغلقون فيها باب الغرفة كعقاب ويمنعوننا من الذهاب إلى دورة المياه، لم تكن هاتان الطفلتان تتحملان، فكانتا تتبولان على أنفسهما.
على سبيل المثال، في يوم ۲۷ سبتمبر، انتشر خبر داخل السجن بأن المجاهدين والمتظاهرين هاجموا سجن إيفين. ورداً على هذا الخبر، أغلق السجانون أبواب الزنازين ولم يسمحوا لأحد بالخروج لمدة ثلاثة أيام، حتى للذهاب إلى دورة المياه أو الوضوء. في غرفة ۵ في ٣ أمتار حيث كان ۵۵ شخصاً ”معلبين“ بداخلها، ماذا كان بإمكاننا أن نفعل لهؤلاء الفتيات الثلاث اللواتي لم يستطعن التحكم في أنفسهن؟ اضطررنا لرفع الموكيت في زاوية الغرفة ووضعنا هناك تنكة صفيح كانت تستخدم للجبن ليقضين حاجتهن فيها.
بعدهن، اضطر بعض الأشخاص الآخرين الذين كانوا بحاجة لمراحيض لاستخدامها أيضاً. بعد ثلاثة أيام، أصبحت رائحة العفن في الزنزانة لا تُطاق، حتى فُتحت الأبواب أخيراً وسمحوا لنا بالذهاب إلى دورة المياه، بعد مطالبات متكررة كان ثمنها الضرب والتحقيقات المتعددة.
كانت هناك سجّانة تُدعى عليزادة، وهي مسؤولة العنبر، وكانت تحمل حقداً وضغينة غريبة تجاه المجاهدين. كانت توجه لهذه الفتيات الصغيرات أسوأ وأخزى الشتائم والإهانات، وتضربهن وتقول: حقتكن! لقد قال الإمام (خميني) إن دماء وأموال وأعراض المنافقين حلال، ولن يرف لي جفن مهما حدث لكنّ. يجب قتلكم جميعاً عن بكرة أبيكم، أنتم تعيشون زيادة عن حاجتكم.
كان هذا هو معتقد كل أتباع خميني. كما أن زهراء ذات الـ ۱۵ ربيعاً، وبعد ۶ أشهر من الضغط والتعذيب، ولأنها قالت أنا مجاهدة ورفضت تكرار ما يمليه عليها الجلاد الملا كيلاني بأن تقول أنا منافقة، سيقت إلى فرقة الإعدام في فجر ۱۲ سبتمبر عام ۱۹۸۱ في إيفين، وأعلنوا الخبر عبر الراديو في صباح ذلك اليوم.
لا أعلم شيئاً عن مصير فرزانة وفروغ اللتين نُقلتا من تلك الغرفة إلى مكان آخر بعد فترة، لكنني لن أستغرب إذا كان قد تم إعدامهما، لأن المجرم كيلاني نفسه، وفي برنامج إذاعي وتلفزيوني علني أمام ملايين الناس، ورداً على الاحتجاجات ضد إعدام الأطفال بعمر ۱۲-۱۳ عاماً، قال بصراحة: إذا بلغت البنت ۹ سنوات قمرية والولد ۱۵ سنة قمرية، فإنهما يعتبران بالغين ويمكن إعدامهما.
الأمراض الجلدية والمياه الباردة للاستحمام
عندما نُقلت إلى إيفين، وبما أنني كنت أعاني بشدة من الفطريات، كانت زميلاتي في الزنزانة يحاولن تمكيني من الاستحمام ولو لمرة واحدة يومياً بالماء البارد حتى يشفى هذا المرض بسرعة، لأن الماء الساخن كان يتدفق مرة واحدة أسبوعياً لمدة ۱۰ دقائق فقط، وكنا نحاول عادةً إرسال الأطفال الذين كانت حالة أقدامهم وخيمة جداً جراء التعذيب وكان الماء البارد يسبب لهم التهابات وآلاماً شديدة، للاستحمام في تلك الفترة. أما بقية الفتيات، فكن يستحممن بالماء البارد في جو إيفين الجبلي البارد. وعندما طرحنا هذا الموضوع مع ”حسني“ مسؤول سجن إيفين، أجاب: اذهبوا واشكروا الله، إذا اعترضتم كثيراً فسنقطع هذا أيضاً.
الأخ وأبناء العم المحققون
بما أن الحديث جرى عن المجرم حسني، دعوني أوضح هنا أنه ابن عمي واسمه الحقيقي أبو الفضل حاج حيدري. هو ابن أخت عسكر أولادي ويعتبر من أتباعه، وكان مسجوناً معه ومع لاجوردي لعدة سنوات في عهد الشاه، وتم العفو عنه مع عسكر أولادي وكروبي وسائر رفاقهم من قبل الشاه. وهم في المقابل صرخوا جماعياً أمام كاميرات التلفزيون شكراً جلالة الملك! وأُطلق سراحهم. لقد أعطوا تعهداً للسافاك من أجل الإفراج عنهم بمواصلة نضالهم ضد المجاهدين بشكل أكثر فعالية. كان لأبو الفضل تأثير ونفوذ على شقيقه عزيز حاج حيدري وأخي الأكبر محمد حاج حيدري، واقتادهما معه إلى الادعاء العام وسجن إيفين. كان أبو الفضل هو الوجه العلني للسجن باسم حسني، أما عزيز ومحمد فكانا من المحققين والمعذبين الذين كانوا يجرون التحقيقات والتعذيب بأسماء مستعارة وتحت الأقنعة.
أحياناً عندما كانوا يأخذونني للتحقيق، كنت أدرك أن المحقق الرئيسي والذي يقف فوق رأسي هو عزيز أو محمد؛ لأن نوع الأسئلة كان يظهر أن المحقق لديه معلومات عائلية دقيقة. وذات مرة، لكي أتأكد، وفي وضع رأيته مناسباً، رفعت عصبة عيني ورأيت بعيني المجرم عزيز، فرآني هو أيضاً، وبسبب رفع العصبة ورؤيته، تعرضت للجلد والتعذيب القاسي لمدة أسبوع كامل.
منذ سبتمبر ۱۹۸۱ وما بعده، زادت الاعتقالات بشكل كبير جداً ووصل ازدحام عنابر إيفين إلى أقصى حدوده. صُبَّ في كل عنبر سجناء لعدة أضعاف طاقته الحقيقية، لدرجة أنه لم يعد هناك مكان لإضافة سجين آخر، وكنا في حالة اختناق حقيقي. اضطروا لتغيير العنبر ونقلونا إلى عنبر جديد كان اسمه أيضاً ۲٤۰. وكالعادة في عنابر إيفين، كان المكان يتكون من طابقين؛ ذهبت أنا إلى الطابق العلوي وأختي مهين إلى الطابق السفلي، وانفصلنا عن بعضنا. كان كل طابق في عنابر إيفين يضم عادة ست غرف. لكي تفهموا ظروف العنبر ذو الغرف الثلاث، يكفي أن أشير إلى أن كل هذه الغرف الـ ۱۲ في العنبر قد امتلأت بسجناء ذلك العنبر السابق. وبعد انتقالنا، تحول العنبر السابق إلى مستوصف.
عندما نُقلنا إلى العنبر الجديد، أعلن مسؤول العنبر ذات يوم أن وفداً يضم مسؤول السجن ومرافقيه سيأتي للزيارة. جلس الجميع في غرفنا. كنت جالسة في الغرفة رقم ۱ عندما أدخل حسني، مسؤول السجن وأحد أعضاء هذا الوفد، رأسه إلى الغرفة. هنا زال أي شك أو ريبة لدي حول كونه معذباً، وتأكد لنا أنه هو نفسه ابن عمنا المجرم. ارتعشت لرؤية أبو الفضل، وشعرت بالقرف لأن اسم عائلتي هو نفس اسم هذا الجلاد، رغم أنني لم يكن لدي أي صلة بهم أبداً، وحتى قبل أن أصبح من أنصار المجاهدين، كنت أبتعد عنهم بسبب ثقافتهم وعلاقاتهم الرجعية والفاسدة.
حدق في عيني بوقاحة وسأل: من أنتِ؟ نظرت إليه ولم أجب. سأل للمرة الثانية، فقلت: أعظم حاج حيدري! تفرس فيّ بنظرته الوقحة وسأل بضحكة قبيحة: ماذا تعملين؟ لم أجبه. كرر السؤال مرتين أخريين، لكنني حدقت فيه ولم أجبه.
قالت الفتيات لهذا المرتزق: لدينا مشكلة في ماء الحمام، الجو بارد جداً والماء لا يسخن. فقال بضحكته القبيحة نفسها: اشكروا الله أن هذا الماء موجود أصلاً! وهكذا ترك أسئلة الفتيات واحتجاجاتهن بشأن أبسط الاحتياجات الصحية والغذائية دون رد، مستخدماً السخرية والتهريج والكلام الفارغ.




















