مذكرات مهري حاجي نجاد من كتاب الضحكة الأخيرة لليلى – الجزء الثامن عشر
دروس إجبارية في السجن : في هذا العدد من مذكرات السجن للكاتبة مهري حاجي نجاد، والتي صاغتها في كتابها الضحكة الأخيرة لليلى، تتحدث الكاتبة التي كانت في ذلك الوقت طالبة مراهقة، عن الحصص الدروس الإجبارية في سجون نظام خميني، كما تستعرض ذكرى إحدى رفيقاتها الصامدات باسم اقدس حسين زاده تقوي.
تلفزيون الدائرة المغلقة والدروس التعليمية
حاول النظام منذ عام 1983 بث أفلام متنوعة من ترهات الملالي “الديناصورات” لغرض تعليمنا وإرشادنا. وأحياناً كان يتم إحضار ملالي ينتمون فكرياً إلى ما قبل 1400 عام إلى داخل العنبر.
واجهنا تناقضاً بشأن المشاركة في هذه الدروس؛ فمن جهة، كان بإمكاننا استغلال هذه الفرصة لتبادل الرسائل مع صديقاتنا في العنبر السفلي، ومن جهة أخرى، كانت المشاركة تمنح نوعاً من الشرعية لهذه المسرحيات المخادعة. وبعد التشاور، تقرر إرسال شخصين فقط في كل مرة بالتناوب لنتمكن من الحصول على أخبار العنبر السفلي.
أطلقنا على هذه العملية اسم “لقاء صديقات العنبر السفلي”. وسرعان ما أدرك الخونة سبب مشاركتنا؛ إذ كانت هما قاسملو -وهي خائنة تائبة كانت تخرج مع محققي الفرعين 7 و4 إلى الشوارع لاصطياد المجاهدين- تقول بصوت عالٍ: “هؤلاء منافقات، لا يبدو على وجوههن أنهن أتين للاستماع، بل جئن لرؤية صديقاتهن وتبادل المعلومات”.
في الموعد الأول، تقرر ذهاب نرجس وأفسانة إلى ذلك الدرس المزعوم. كان مزيجاً رائعاً؛ فنرجس كانت مفعمة بالحيوية والنشاط، بينما تملك أفسانة قدرة هائلة على التمويه والتصرف الطبيعي.
حين عادتا من الدرس، استمرت أجواء المرح لدينا لساعتين وهما تسردان ما فعلتاه. كانت أفسانة قد كتبت بدقة كل ما حدث في العنبر مع أسماء المعتقلين الجدد وسلمتها لبنات العنبر السفلي. أما نرجس، فقد كتبت ملخص حديث الملا في ثلاث صفحات بأسلوب ساخر؛ وعندما نظرنا إلى كتاباتها وجدنا قائمة طويلة من أسماء الحيوانات: حمار، بقرة، عقرب، أفعى… قرأت الفتيات الأسماء وانفجرن ضحكاً، بينما أقسمت نرجس أن “الأستاذ” هو من ذكرها جميعاً، وقالت: “أظن أن هذا الأستاذ جاء من حديقة الحيوان، أو ربما يدير سيركاً، لأن كل حديثه كان يدور حول الحيوانات”.
أما أفسانة، فذكرت أنها استغلت ذريعة تدوين الملاحظات من ترهات ذلك الملا الأبله لتكتب كل النقاط التي أرادت نقلها للعنبر السفلي، وبحجة توجيه سؤال للملا، قامت من مكانها وسلمت الأوراق لـ “فرنكيس” في العنبر السفلي وجلست بجانبها، وأنجزت مهامها بكل برود طوال وقت الدرس.
وفي إحدى المرات، ذهبتُ أنا وزهراء مازوجيان، وفي منتصف الدرس عندما وقع نظر زهراء على رسمي الساخر لوجه الملا، غلبتها الضحك لدرجة خفت فيها أن ينكشف أمرنا. كان الملا المعني أعور العين وشهوانياً جداً؛ لذا رسمته بعين واحدة عمياء، ووضعت في عينه الأخرى كاميرا كبيرة. والسمة البارزة الأخرى في الرسم كانت القمل الذي يزحف على رأسه ووجهه من كل جانب. في ذلك اليوم، نجحت زهراء بذكاء في استلام رسالة من “هاجر” في العنبر السفلي.
لم يدم هذا الوضع طويلاً؛ إذ أدرك الحرس أننا لا نذهب للاستماع إلى تلك الخزعبلات بل للقيام بنشاطاتنا الخاصة، مما أدى إلى إيقاف تلك الدروس.
زهرة في الذاكرة: صمود اقدس حسين زاده تقوي في زنازين النظام
كانت اقدس حسين زاده تقوي[1]، الزميلة ورفيقة القيد العزيزة التي قضينا معاً أياماً وليالي طويلة في السجن، تعمل قبل اعتقالها في القسم المعلمين بطهران. ورغم التعذيب الوحشي، لم يتمكن المحققون من انتزاع أي معلومة منها. كان المحقق يقول لها: “أعلم أنكِ منافقة، سأضربكِ حتى تعترفي بكل شيء”، لكن اقدس، ليقينها بأن المحقق لا يملك دليلاً ضدها، كانت تقاوم وتقول: “لم يكن لي أي دور أو نشاط”. عرفت نفسها باسم “اقدس تقوي”، ولتشارُك الأسماء، قام المرتزقة بتعذيبها لفترة ظناً منهم أنها “اقدس تقوائي”، إحدى بطلاتالمجاهدات التي كانت من القسم الطلابي التي استشهدت في قاعدة القائد ضابطي في مايو 1982.
رأيت اقدس لأول مرة عام 1982 في سجن “إيفين”؛ كانت قد تعرضت لتعذيب شديد، وتمزقت طبلة أذنها، وكانت قدماها مليئتين بالبثور. نُقلت إلى الغرفة رقم 1 وبقيت بجانبنا لفترة. دون أن ندخل في أي حديث، كنت أعلم أنها لم تفشِ سراً وأنها تقاوم لإثبات ذلك فقط.
قضينا نحو خمسة أو ستة أشهر معاً، كنا في مجموعة واحدة ونتشارك المصاريف. كانت اقدس قليلة الكلام لكن البسمة لا تفارق محياها، تلك البسمة العذبة التي حفرت ذكراها في ذهني. كلما عادت من جلسة تحقيق وكان واضحاً أنها تحت ضغط شديد، كانت تقول بابتسامة: “محبوبة، اقرئي (إن مع العسر يسراً)”، فأرد عليها: “اقدس، اقرئي (لا تحزنوا إن الله معنا)”.
في عام 1983، نُقلت اقدس فجأة من عنبرنا دون أن تأخذ أياً من أغراضها، ولم يعرف أحد منا إلى أين اقتيدت. وفي عام 1984 عادت إلى غرفتنا، لكنها كانت أكثر نحولاً وإنهاكاً من ذي قبل. اكتفت بالقول إنها قضت فترة في الزنزانة 209 وفترة أخرى في سجن “جوهردشت“. وفي عام 1985 افترقنا مرة أخرى؛ حيث نُقلت هي إلى العنبر رقم 1 وذهبتُ أنا إلى “جوهردشت”، ولم أرها في السجن بعد ذلك.
بقيت اقدس معلقة دون حكم نهائي حتى النهاية. قال لها المحقق في اليوم الأخير: “من صمودكِ أعرف أنكِ مجاهدة، أبقيتكِ خمس سنوات ولم أستطع تشكيل ملف ضدكِ، والآن يبدو أنه يجب إطلاق سراحكِ”. وهكذا، لم يتمكن الجلادون بكل ذلك التعذيب وبعد خمس سنوات من السجن حتى من معرفة هويتها التنظيمية.
كانت اقدس شخصية تتمتع بطمأنينة وهدوء استثنائيين. كان جرح أذنها يسبب لها آلاماً لا تطاق، وكان القيح والدم ينزف منها باستمرار، فضلاً عن الصداع الرهيب الناتج عن التعذيب الوحشي، لكنها كانت كالجبل صبراً وثباتاً. انضمت إلى المجاهدين بعد إطلاق سراحها، ثم استشهدت في عمليات الضياء الخالد.
ستبقى اقدس دائماً نموذجاً للمجاهدة المتفانية المليئة بالإيثار؛ فذكراها كزهرة نضرة، تبقى دائماً حية وعطرة في ذهني.
1. المعلمة المجاهدة اقدس حسين زاده تقوي: اعتقلت عام 1981 وهي في الثانية والعشرين من عمرها. رغم تحملها أشد أنواع التعذيب في سجني “جوهردشت” و”اإيفين”، لم تضع أسرار الشعب تحت تصرف العدو. عانت من تمزق طبلة الأذن والتهابات حادة جراء التعذيب حتى آخر أيامها.




















