في كل عام، يمثل الخامس من تشرين الأول/أكتوبر، اليوم العالمي للمعلم، مناسبة لتقدير ملايين المعلمين حول العالم والتذكير بحقيقة أن جودة التعليم لا يمكن أن تحقق غاياتها دون توفير الدعم اللازم للمعلمين. وبحسب تقرير “التعليم لمحة عامة 2025” (Education at a Glance 2025)، فإن متوسط الأجور القانونية للمعلمين الذين تبلغ خبرتهم 15 عاماً في دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، يختلف باختلاف المراحل التعليمية ليتبدل من نحو 55,725 دولاراً سنوياً في مرحلة الطفولة المبكرة (ما قبل المدرسة) إلى نحو 63,925 دولاراً سنوياً في مرحلة التعليم الثانوي العالي. وفي الدول ذاتها، يبلغ متوسط الأجور الفعلية للمعلمين في المرحلتين الابتدائية والثانوية ما يقارب 83 إلى 91 بالمائة من دخل الحاصلين على شهادات جامعية.
وبالطبع، حتى في الدول الثرية لا تبدو أوضاع المعلمين مثالية تماماً. أما في إيران، فتتجسد القضية ضمن سياق مغاير ومأزق مختلف؛ إذ يتسم المشهد بالتضخم المرتفع، تراجع القدرة الشرائية، تكاليف السكن والمعيشة الباهظة، التأخير أو التفاوت في صرف بعض المزايا، الفروقات بين شتى أنواع العقود التعليمية، فضلاً عن اضطرار غالبية المعلمين للبحث عن عمل ثانٍ.
بالنسبة لأي معلم، يكمن التحدي الأساسي في مقدار ما يتبقى من الراتب الشهري بعد سداد إيجار السكن أو أقساطه، وتغطية تكاليف الغذاء، التنقل، العلاج، تعليم الأبناء، وغيرها من النفقات الضرورية. وبالنسبة للمدّرسات والمعلمات، تتسع هذه المشكلة لتكتسب أبعاداً مضاعفة ومعقدة.
وفي هذا المقال، ومن خلال إلقاء الضوء على التقارير والمواد المنشورة حول أوضاع المعلمين في إيران، نتناول بعضاً من أهم المشكلات المعيشية، الحقوقية، المهنية والاقتصادية للمعلمين، ولا سيما المعلمات منهن.
المعلمات، وظيفة رسمية ونوبة عمل خفية لا منتهية
لا يمكن اختزال أزمة المعيشة بالنسبة للمعلمات في أرقام قسيمة الراتب وحده. فكثير من النساء يتحملن بعد انتهاء الدوام المدرسي مسؤوليات إضافية داخل المنزل، مثل رعاية الأطفال، إدارة شؤون البيت، أو العناية بأفراد العائلة المسنين. هذا القسم من الجهد المبذول عادة لا يظهر في قسيمة الراتب ولا ينال أي تقدير مادي.
ولهذا السبب، يمكن وصف واقع الكثير من المعلمات ببساطة على النحو التالي:
النوبة الأولى: العمل التعليمي المدفوع الأجر.
النوبة الثانية: العمل المنزلي والرعائي غير المدفوع الأجر.
النوبة الثالثة: في حال عدم كفاية الدخل، العمل في وظيفة ثانية لتأمين متطلبات الحياة الأساسية.
وفي ظل هكذا ظروف قاسية، يتحول الضغط الاقتصادي إلى عبء متعدد الطبقات يثقل كاهل المعلمات.

ما مصير القدرة الشرائية؟
تتمثل إحدى المشكلات الرئيسية التي تواجه المعلمين في إيران في الهوة السحيقة بين الزيادة الاسمية في الأجور والارتفاع الجنوني في تكاليف المعيشة.
فخلال الأعوام الأخيرة، تم طرح زيادة رواتب موظفي الحكومة بانتظام ضمن الموازنات السنوية؛ بيد أنه في خضم المناخ التضخمي، لا يمكن لزيادة الرواتب أن تحسن المستوى المعيشي إلا إذا واكبت القفزات الهائلة في أسعار السلع والخدمات الضرورية ولم تتخلف عنها.
على سبيل المثال، في التقارير المرتبطة بموازنة عام 2026 جرى طرح زيادة رواتب موظفي الحكومة بشكل تدريجي (تصاعدي)، مع تخصيص نسب زيادة أكبر للفئات محدودة الدخل. ومع ذلك، حذرت التقارير الاقتصادية نفسها مراراً وتكراراً من اتساع الفجوة بين نمو الرواتب ومعدلات التضخم.
«المعلم الذي يؤدي مهمة التربية والتعليم المقدسة، يتقاضى راتباً قدره 18 مليون تومان، في حين أن الحد الأدنى لرواتب بعض الموظفين في نفس هذه البلاد قد وصل إلى 40 مليون تومان. المعلم لا يتحمل تكاليف التنقل فحسب؛ ففي طهران قد يضطر للذهاب من منطقة ما إلى جنوب طهران، أو الانتقال من الجنوب إلى غرب العاصمة. وفي بعض المدن، يتوجب عليه قطع عدة كيلومترات وصولاً إلى القرى والأرياف. فمن يتحمل هذه التكاليف؟
المعلم الذي ينشط في الفضاء المجازي وعبر شبكة “شاد”، من دفع قيمة اشتراكه وتكلفة إنترنت الخاص به؟ هذه النفقات ليست حالة أو حالتين يمكن المرور عليهما بسهولة، بل هي أمر يستحيل حسابه بالمقاييس البسيطة. عندما نقول إن الدخل الشهري للمعلم هو 18 مليون تومان، فيجب أن ننظر فيما إذا كان هذا المبلغ يكفي لإدارة حياة أسرية أم لا. هل يمكن تأمين سلة المعيشة للأسرة لمدة شهر، والسلع الأساسية، وتكاليف التنقل، وباقي المصاريف المعيشية بهذا الدخل؟ إن أموال المعلم لا تكفي حتى لتكون مصروفاً شخصياً جيبياً.» (صحيفة “جهان صنعت” بتاريخ 30 أيلول/سبتمبر 2026)

حين لا يكفي التعليم للعيش
تعد الحاجة الملحة لمعظم المعلمين إلى وظيفة ثانية أو حتى ثالثة إحدى المؤشرات الواضحة على حجم الضغط الاقتصادي المطبق عليهم.
بطبيعة الحال، ليست هذه الظاهرة بالجديدة؛ فقد دأبت التقارير الإعلامية على تناول قضية المعلمين ذوي الوظيفتين لسنوات طويلة، بل وحتى في التقارير الأحدث، طُوِرحت نماذج لمعلمين لجأوا إلى إعطاء الدروس الخصوصية أو امتهان أعمال أخرى لتعويض العجز في دخلهم.
إلا أن امتلاك وظيفة ثانية لا يعود لمجرد قضاء ساعات إضافية في العمل؛ فالمعلم مطالب بعد انتهاء اليوم الدراسي بالتحضير للدروس اللاحقة، مراجعة الواجبات، تقييم التلاميذ، والحفاظ على تحديث كفاءته المهنية. وحين تكرس تلك الساعات لعمل ثانٍ، فإن أوقات الراحة والتواصل الأسري تتقلص بشكل حاد.
المعلمون المؤقتون والمحاضرون بالأجر: الحلقة الأضعف في الكادر التعليمي
يفتقر المعلمون المتعاقدون بنظام الساعات (حقالتدريس) وغيرهم من الفئات التعليمية المماثلة إلى الاستقرار الوظيفي والمزايا التي يحظى بها الموظفون الرسميون. وفي السنوات الأخيرة، أثيرت قضية صرف مستحقات هؤلاء والوضع الوظيفي لكوادر “حقالتدريس” مراراً وتكراراً في وسائل الإعلام.
وبالنسبة لكادر تعليمي يبدأ بدخل أدنى وأمان وظيفي محدود، فإن أي زيادة في تكاليف السكن، الغذاء، والعلاج تنعكس لتمثل ضغطاً مضاعفاً لا يطيق تحمله.
أما بالنسبة للمعلمات، فإن هذا الاضطراب وعدم الاستقرار الاقتصادي يزيد من صعوبة التخطيط للمستقبل، تأسيس الأسرة، الإنجاب، أو مواصلة الدراسات العليا.

معلمون يدفعون ثمن مطالبهم النقابية
إلى جانب المعضلات الاقتصادية، يبرز وضع عدد من النشطاء النقابيين في قطاع التعليم كبُعد آخر من أبعاد الأزمة الشاملة.
فخلال الأعوام الأخيرة، نُشِرت تقارير تفيد بتعرض عدد من المعلمين والناشطين النقابيين للاستدعاء، الاعتقال، الصدور ضدهم أحكام قضائية، أو فرض قيود مهنية عليهم. كما أشار تقرير لجنة المرأة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية لعام 2026 إلى حالات متعددة من الملاحقات القضائية التي استهدفت معلمات ونشطاء نقابيين.
وعلى سبيل المثال، تطرق التقرير إلى قضية “كوكب بداغي بكاه“، المعلمة والناشطة النقابية للمعلمين في محافظة خوزستان، وتثبيت حكم السجن بحقها لمدة عام كامل.

هذا الجانب من الأزمة يعكس وجهاً آخر لواقع المعلمين؛ فبالنسبة لبعضهم، لم يعد المطالبة بتحسين ظروف العمل والمعيشة مجرد مسألة مالية بحتة، بل باتت تقترن بتداعيات إدارية وقضائية قاسية.
تناقض صارخ
يتوقع المجتمع من المعلم أن يصنع مستقبل الأجيال القادمة. ولكن المعلم نفسه يجب أن يكون قادراً على بناء مستقبل آمن لنفسه ولعائلته أولاً.
ويأتي اليوم العالمي للمعلم ليكون مناسبة لطرح هذا السؤال الجوهري:
إذا كان التعليم عالي الجودة يتطلب معلماً متحمساً، متحصناً بالخبرة، ومتمتعاً بالأمان الاقتصادي، فهل يمكن توقع بناء نظام تعليمي قوي وفاعل دون تسوية المشكلات المعيشية والوظيفية للمعلمين؟
في إيران، تظهر التقارير الصادرة على مدار العام المنصرم حول الرواتب، نظام تصنيف المعلمين، الكوادر المؤقتة، الحاجة لعمل ثانٍ، النقص الحاد في الكوادر البشرية، شؤون التقاعد، وصندوق ادخار المعلمين، أن قضية معيشة المعلمين تظل واحدة من أهم أزمات المنظومة التعليمية وأكثرها إلحاحاً.
وفي خضم هؤلاء المعلمين، تواجه النساء منظومة معقدة ومتداخلة من المسؤوليات المهنية، الاقتصادية، والأسرية التي تستوجب عناية واهتماماً استثنائيين.
إن اليوم العالمي للمعلم ليس مجرد يوم لتقديم الشكر لمن يكرسون جهودهم لتعليم الأطفال واليافعين، بل هو يوم للتذكير بأن مكانة المعلم السامية يجب أن تنعكس بوضوح في راتبه، وأمانه الوظيفي، وظروف عمله، ومستقبله الاقتصادي.
إذ لا ينبغي للتعليم أن يتحول إلى مهنة تخير الإنسان وتضعه بين خيارين صعبين “أداء رسالة التعليم” وبين “تأمين مقومات الحياة البسيطة”.
تخير الإنسان وتضعه بين خيارين صعبين




