ذكريات السجن لـ اعظم حاجحیدری من كتاب ثمن البقاء إنساناً – الجزء الحادي والعشرون
في الجزء الحادي والعشرين من ذكريات السجن لـ اعظم حاجحیدری، من كتاب ثمن البقاء إنساناً، تتواصل روايتها للأيام الشاقة من الأسر في سجون خُميني؛ الأيام التي استهدف فيها التعذيب والجوع والأرق والحبس الانفرادي جسد السجين وروحها.
اعظم حاجحیدری التي خطت في شبابها طريق النضال ضد نظام الاستبداد الديني، قضت سنوات طويلة في سجون العدلية المؤقتة، وإيفين، وقزلحصار، وجوهردشت. وهي تتحدث في هذا الجزء من ذكرياتها عن العلاقة السرية التي تشكلت في قلب الزنزانة عبر مشط للشعر؛ وعن التعذيب الوحشي الذي مارسه حاجي داوود، وكيف كانت تحافظ على روحها المقاومة حتى في ذروة الألم والعجز الجسدي.
ما يبرز في هذه الذكريات أكثر من أي شيء آخر هو المواجهة بين جسد منهك وإرادة ترفض الاستسلام؛ إرادة لا تقبل الهزيمة حتى تحت أقسى الضربات.
اضرب أيها الجلاد! سنرى من ينكسر ومن ينتصر!
مرة أخرى، عندما ذهبت إلى المرحاض، رأيت مشطًا صغيرًا هناك، وقد حفر عليه بإبرة وكتب: “شوري صديقتك”. أدركت أن عزيزتي “شوري” تركته خصيصًا لي. ولم تكن السجانات قد انتبهن إليه. أخذته وخبأته في ملابسي وعدت به معي. كان عندي رباط رأس، وعندما جلست فككته، ثم بدأت، بالإبرة التي كانت معي، أكتب عليه. وحتى موعد الذهاب التالي إلى المرحاض، كنت قد أنهيت الكتابة. كتبت عليه: “تم الاستلام. أحبكن جميعًا وأنا لا أعرف كم عددكن. أعظم حاج.” ثم أخذته معي، ووضعته في المكان نفسه الذي كن قد تركن فيه المشط.
وعندما أردت العودة، دخلت إحدى السجانات إلى المرحاض وهي تطلق الشتائم والسباب. خفت، وظننت أنهن من وضعن ذلك الرباط ليمتحننني، لكن الأمر لم يكن كذلك. فقد كانت السجانة نفسها قد تأخرت في المجيء لأخذي، وكانت تريد الآن أن تعوض الدقائق الإضافية التي منحتني إياها عن طريق الخطأ في المرحاض، بإظهار شيء من التشدد.
وفي المرة التالية التي ذهبت فيها إلى المرحاض، رأيت أن رباط الرأس لم يعد هناك. فرحت كثيرًا لأنني استطعت أن أقيم صلة مع إحدى الأخوات اللواتي كنت أحبهن كثيرًا. وظللت نحو ساعة أفكر فيما يمكن أن أتركه لـ”هنكامه” وبقية الأخوات اللواتي كنت واثقة أنهن هناك، وكيف أستطيع أن أقيم معهن علاقة. وهكذا امتلأت لحظات وحدتي، وأحيانا كنت أنسى تمامًا أنني وحيدة.
يوم ۲۸ يونيو، الذي كان يوافق ذكرى هلاك “بهشتي” ومن كانوا معه، كان أفراد الحرس والمحققون يولولون ويصرخون بطريقة هستيرية، ويلطمون رؤوسهم ووجوههم. جاءوا فوق رؤوسنا، وأخذوا يتمشون ذهابًا وإيابًا ويكررون المشاهد نفسها. كانت تصرفاتهم مضحكة إلى درجة أنني لم أتمالك نفسي من الضحك. وكان أحدهم قد لاحظ من حركتي من الخلف أنني أضحك، فأخبر “حاج داوود”.
جاء “حاج داوود” من خلفي، وركلني في رأسي ركلة عنيفة، ولأن مكاني كان ملاصقًا للجدار، ارتطم رأسي بالحائط. أحدث رأسي صوتًا قويًا حتى ظننت أن أسناني قد تحطمت. وضعت يدي على فمي وتحسست أسناني لأتأكد أنها ما زالت في مكانها. كان “حاج داوود” ينهال علي بالضرب بجنون، ويكرر باستمرار: الضرب الذي أنزله بك لا يكفي! دم المنافقين أصبح حلالًا، وأنت ما زلت تتنفسين كثيرًا! أنت قاتلة “بهشتي” وأعوانه، و”الإمام” أحل دماءكم وأموالكم، وأنت ما زلت تتنفسين هذا النفس الحرام!
كان يضربني وهو يقصد قتلي. وكنت، بسبب الجلوس الطويل، أعاني ألمًا في ظهري وفي جميع أعضاء جسمي، ومع كل ركلة كانت تصيبني، كان نفسي ينحبس في صدري، وأشعر أن عظامي تتحطم، وأنه لن يبقى مني شيء.
لم أكن أتحمل ذلك الضغط والجوع المتواصلين إلا بدافع المقاومة في مواجهة هذا النظام الإجرامي. أما من الناحية الجسدية، فقد أصبحت في حالة تشبه الشلل النصفي. كنت أشعر أن عظامي أصبحت فارغة وهشة. وأحيانًا لم أكن أستطيع تحريك إحدى يدي، فأحركها باليد الأخرى. وأحيانًا كنت أتحول إلى ما يشبه التمثال الجامد، فلا أقدر على الحركة، وكأن أيًا من أعضاء جسدي لم يعد يخصني. ولهذا السبب، كانت كل ركلة من “حاج داوود” تقذفني كأنني كرة من جانب إلى آخر، ولا سيما أن عيني كانت معصوبتين، فلم أكن أرى شيئًا، ولم يعد لدي أي سيطرة على جسدي. وحتى لو أردت، فلم تعد لدي القدرة أو الطاقة لأتحكم في نفسي.
والغريب أنه، رغم الألم الشديد الذي كنت أعانيه، ورغم أنني كنت جسديًا عند نقطة الصفر، فإنني كنت أشعر في أعماقي بالفرح والانتصار، وأقول في نفسي: اضرب أيها الجلاد! سنرى من الذي سينكسر، ومن الذي سينتصر؟ أنا أم أنت؟ لكنني أنا التي سأنتصر، لأنني مجاهدة! لقد كنت فعلا أنسى ألم جسدي.
وفي ذلك اليوم ظل “حاج داوود” يذهب ويعود لمدة ساعتين، يضربني، ومع ذلك لم يهدأ غيظه. ولم يكن يضربني وحدي، بل كان ينهال على الجميع بالضرب الوحشي نفسه. وكنت أتألم من أجل الأخوات اللواتي كن يتعرضن لذلك الضرب الوحشي أكثر مما أتألم لنفسي. لم أكن أعرف من التي كانت تتعرض للضرب، لكن من خلال الأصوات وحركة المأجورين ذهابًا وإيابًا، كنت أفهم أنني لست الوحيدة التي تضرب، بل إن الأخريات أيضًا يتعرضن لذلك.
بعد تلك الضربات، تمنيت في تلك الليلة أن أنام. كنت أشعر بإنهاك شديد وآلام في جميع أنحاء جسدي، لكن الصوت المزعج للراديو، الذي كان لا يترك لنا لحظة هدوء أو راحة منذ منتصف الليل فصاعدًا، كان بانتظارنا. يضاف إلى ذلك كابوس وجود الجلاد “حاج داوود”، الذي كان، ما إن يكون هناك، حتى ينهال بالضرب، سواء وجد سببًا أم لم يجد. فقد كان هو نفسه قد أطلق على ذلك المكان اسم “القيامة”، ومكان الاقتصاص، وكان يقول: إذا شعرتم بالراحة ولو للحظة، ستفكرون في المقاومة.
لكن ذلك الأحمق التعيس لم يكن يعلم أن أفعاله كانت تمنحنا أعظم دافع للمقاومة، لأنها كانت تثبت لنا عدالة قضية مجاهدي خلق وصحة طريقهم، أي طريق المقاومة المسلحة. وكل من كان لا يزال يساوره أدنى شك في إمكانية مخاطبة هؤلاء الجلادين والمجرمين بغير لغة السلاح، كانت كل شكوكه تزول هناك، وتتحول إلى يقين. ومن أعماق وجوده كان يهتف: عاش مجاهدي خلق! وعاش مسعود! ذلك الذي عرف منذ اليوم الأول حقيقة هذا خميني السفاح وزمرته.
وفي ذلك اليوم أيضًا، ورغم أنني كنت محطمة تمامًا، فقد كنت أشعر بالرضا لأن هذا الجلاد كان في غاية الاضطراب. وتذكرت يوم 28 يونيو 1981، يوم هلاك “بهشتي” ومن كانوا معه. في ذلك اليوم كنت في شارع “جمهوري”، واستغرق الأمر أربع ساعات حتى تمكنت من مغادرة تلك المنطقة. وكلما ذهبت إلى مكان، كنت أرى أفراد الحرس قد اقتحموه. كانوا قد داهموا منازل كل من يعرفونهم. ركبت سيارة أجرة لأخرج من المنطقة، لكن أحد أفراد الحرس كان يضرب بيده على غطاء السيارة ويقول للسائق: لا يجوز أن تعمل! لقد استشهد “بهشتي”! فأجابه السائق: إذا لم أعمل، فهل ستؤمن أنت لقمة عيش زوجتي وأطفالي؟!
كنت قلقة من أن يؤدي جدال سائق الأجرة مع أفراد الحرس إلى إثارة الشبهات حولي وحول صديقتي، فيعتقلوننا. فقلت للسائق: يا أخي، دعنا الآن نصل إلى أمرنا. فقال: لقد هلك مجرم، فلماذا يجب أن أتوقف أنا عن عملي وحياتي؟ ثم قلت أنا وصديقتي له: نحن من مجاهدي خلق، أرجوك أوصلنا إلى مقصدنا بأسرع وقت. ففرح السائق كثيرًا وقال: من أجل أن تصلا بسرعة إلى مقصدكما، سأقود بهدوء ولن أرد على هؤلاء. في ذلك اليوم كان الناس ينظرون إلى بعضهم بعضًا بفرح، ويتبادلون الابتسامات.
لقد جعلني الضرب الذي تلقيته على يد الجلاد “حاج داوود رحماني” أسترجع تلك الذكريات لساعات، فخفف ذلك من ألم الضرب ومعاناته. كان في كل يوم ما يشغل الفكر. كان السجناء الذين يعيشون في تلك الظروف ينهارون جسديًا يومًا بعد يوم، لكنهم كانوا، من الناحية الروحية، يجدون كل يوم ما يمنحهم دافعًا جديدًا للصمود.
يتبع
[1] المجاهدة الشهيدة الطبيبة معصومة كريميان، التي تعرفها غالية السجينات باسم شورانكيز. هذه المرأة الجليلة والطبيبة الثورية، وفقاً لعشرات تقارير شهود العيان، هي إحدى أساطير المقاومة والصمود في سجون خُميني.
ولدت في مدينة كربلاء بالعراق، وأتمت دراستها في تخصص جراحة العظام في ألمانيا. وكانت موظفة في الهلال الأحمر الإيراني، ومحبوسة منذ عام 1981 وحتى وقت مجزرة السجناء مجاهدي خلق في عام 1988. وأخيراً استشهدت في سن الثلاثين بين الثلاثين ألف سجين مجاهد ممن تم إعدامهم جماعياً.




















