مذكرات السجينة أعظم حاج حيدري من كتاب “ثمن البقاء إنساناً” – الجزء السادس
في هذا العدد من مذكرات السجينة أعظم حاج حيدري المنشورة في كتاب ثمن البقاء إنساناً، تكتب عن كيفية تعرفها على عطية محرر خوانساري وذكرياتها معها ومع الدكتورة شورانغيز كريميان في سجن إيفين. كانت أعظم في ذلك الوقت معلمة شابة تبلغ من العمر 22-23 عاماً، سلكت طريق النضال، وأمضت 5 سنوات في سجون العدلية المؤقتة، وإيفين، وقزل حصار، وكوهردشت، حيث تعرضت لتعذيب وحشي على يد حرس خميني.
تلك الشجرة اليافعة…
في شهر سبتمبر من عام 1981، عندما كنت في العنبر 240 القديم في سجن إيفين، كنت قد وصلت للتو إلى هذا العنبر ولم أكن أعرف الفتيات هناك جيداً بعد. فجأة فُتح باب العنبر ودخلت فتاة تبلغ من العمر 16 أو 17 عاماً، طويلة القامة، ذات وجه جميل وجذاب، وفي الوقت نفسه كانت توحي بالصلابة والتصميم. رغم صغر سنها، كان وجهها وسلوكها ووقارها يجعل كل من يراها ينجذب لا إرادياً إلى شخصيتها. نظرت إليها لدقائق، ثم نهضت وتوجهت نحوها وعرّفتها بنفسي وسألتها عن اسمها. قالت بهدوء وابتسامة دافئة على شفتيها: عطية محرر خوانساري.
سألتها: هل طاهرة أختك؟ قالت: نعم!
تذكرت أنني رأيتها مرة أو مرتين مع طاهرة، لكنها كانت تبدو صغيرة جداً آنذاك، وقد تغيرت كثيراً في السنة أو السنتين الأخيرتين.
سألتها: حسناً، لماذا تم اعتقالك؟ قالت: “لأني أحب الحرية!”. ضحكت وقلت: “هذا هو القاسم المشترك بيننا”. أشارت إلى بقية الفتيات في العنبر وقالت: “إنه القاسم المشترك بيننا جميعاً!”. أعجبتني دقتها وفطنتها. سألتها: كيف تم اعتقالك؟ تنهدت وقالت: “عن طريق والدي! عندما دخلت منزلنا قام بتسليمي إلى الحرس”. قلت لها: “وهذا قاسم مشترك آخر بيني وبينك، وكم هو مرير، فقد تم اعتقالي أنا أيضاً عن طريق أخي”.
منذ ذلك الحين أصبحت صديقة لعطية، وشعرت بقرب شديد منها، سواء بسبب هذه القواسم المشتركة أو بسبب ميزاتها الاستثنائية وشخصيتها القوية.
وكانت عطية حقاً فتاة استثنائية؛ حنانها وعاطفتها وتضحيتها وإيثارها تجاه الآخرين جعلت منها، رغم صغر سنها، ركيزة يعتمد عليها الكثير من السجناء.
150 سجينةً محشوراتٌ في غرفتين داخل عنبر واحد
كان العنبر الذي نوجد فيه يتكون من ثلاث غرف فقط. إحدى الغرف، التي كانت خارج الباب، كانت مخصصة لأنصارالشاه الذين منع الحرس أي اتصال بيننا وبينهم، أما بقية السجينات السياسيات، البالغ عددهن حوالي 150 سجينة، فكن محشورات في غرفتين. لهذا السبب، كانت ممارسة الأنشطة اليومية، من غسل الوجه واليدين إلى الذهاب للمرحاض والنوم، تمثل معضلة كبرى. في ظل هذه الظروف، يتطلب حل هذه التناقضات بشكل صحيح، بحيث يتنازل الشخص عن رغباته ومصالحه الشخصية لصالح الآخرين، قدرة عالية جداً.
فتاة في السابعة عشرة تمارس دور الأم للجميع
في مثل هذه المواقف يتم اختبار البشر، ولهذا السبب أقول إن الشخصية الوقورة والصابرة والصامدة لهذه الفتاة ذات الـ 17 عاماً، وفي الوقت نفسه صلابتها وغضبها وكراهيتها تجاه الحرس والخونة والجواسيس وعزمها الراسخ في النضال، كانت تذهل الأبصار. كانت عطية تهتم بزميلاتها في العنبر كأم حنون، وتلبي احتياجاتهن المادية والروحية. وكانت تساعد أولئك الذين عجزوا عن القيام بأمورهم الخاصة بسبب كبر السن أو المشاكل الجسدية، وتتغاضى عن احتياجاتها الشخصية. كانت تحتضن من يشعرون بالوحدة بحنان وأمومة، ولهذه الأسباب كانت تبدو أكبر من عمرها بكثير.
فجأة، ومع انتقال سجينات ”العدلية“ إلى إيفين وكنت أنا منهم، انتقل القمل إلى إيفين بسبب الوضع الصحي الكارثي في سجن العدلية، فأصيب العديد من الفتيات بالقمل والفطريات والأمراض الجلدية. كانت عطية تساعد الفتيات بمنتهى الصبر والأناة، وكانت تقول: “أنا أستمتع بكوني قادرة على فعل شيء لصديقاتي”. على سبيل المثال، كانت تجلس أحياناً من الصباح حتى الظهر لتزيل القمل من بين خصلات شعر الفتيات واحدة تلو الأخرى، وهو نتاج وضع سجون النظام، ثم تقبل رؤوسهن وتقول: “هذه أجمل لحظات حياتنا”. كانت تحب الفتيات من أعماق قلبها وتغمرهن بالعشق.
كانت عطية تذهب للتحقيق وتعود في كمال الهدوء، كأنها مجاهدة محنكة وذات خبرة، دون أن تشتكي مما جرى لها، بل كانت تعود إلى العنبر أكثر حيوية ونشاطاً. كان لديها هدوء عجيب يمنحني الطمأنينة بمجرد النظر إلى وجهها. كنت أشعر بالفرح والرفعة والفخر لوقارها وصلابتها. كنت أتمنى أن تكون عطية نسخة طبق الأصل من أختها الشهيدة طاهرة محرر خوانساري، التي اشتبه بها الحرس في الشارع في الأسابيع الأولى بعد 20 يونيو 1981، وأطلقوا النار عليها وأصابوها، ثم استشهدت تحت تعذيب الجلادين بعد نقلها إلى إيفين. كانت عطية رمزاً للنظام والانضباط، ومفعمة بالحب تجاه الآخرين، ومركزاً للعطف والحنان والصلابة.

إعدام عطية ذات الـ 17 عاماً.. أحصينا 60 رصاصة رحمة
هناك بعض الحقائق التي لا يريد المرء قبولها أو تصديقها، وكان إعدام عطية [1] من بينها. أنا وجميع الفتيات في ذلك العنبر كنا نتذرع بأعذار وأسباب مختلفة لكي لا نصدق هذه الحقيقة. “كيف يمكن ذلك؟ إنها صغيرة جداً، لم تفعل شيئاً! ليس في ملفها شيء، لم يمضِ سوى أيام قليلة على اعتقالها…”.
لكن في الساعة 12 منتصف ليل 15 سبتمبر/أيلول 1981، نادوا اسم عطية للتحقيق. انخلع قلبي من مكانه! هل أخذوها للإعدام؟ في لحظة ساد العنبر صمت مطبق، لكن بدا وكأن الجميع يريدون إقناع أنفسهم بأنه مجرد تحقيق. منذ اللحظة التي خرجت فيها عطية من العنبر، كان قلبي يخفق في صدري كطائر مذبوح. كنتُ أُصوّب نظري نحو باب العنبروكلما فُتح كنت أقفز من مكاني. كنت أعد الثواني وأصلي لكي يفتح الباب الآن وتظهر عطية في إطاره، لكن لا خبر.
أخيراً، في الساعة 4 فجراً، ملأ فضاء إيفين صوت رهيب لرشق من الرصاص، بدا وكأنه أُفرغ في قلبي. غرق العنبر كله في المأتم. لم نكن نعرف كم شخصاً آخر سيقوا إلى منصات الإعدام هذه المرة. خيّم الصمت على كل مكان. لم يعد قلبي يتسع له صدري وكأنه وصل إلى حنجرتي. كان الجميع ينتظر سماع صوت رصاصات الرحمة. عندما بدأت، وبغصة في الحلق، بدأنا نعد في قلوبنا: 1، 2، 3… واستمرت الطلقات المنفردة حتى وصلت في تلك الليلة إلى 60. ساد الصمت مرة أخرى. هل أُطلقت إحداها على رأس عطية العزيزة؟ كنت أنوح في داخلي: “كيف سقطت تلك الشجرة اليافعة في دمائها؟ يا إلهي، ما كان جرمها؟! فقط لأنها كانت عاشقة للحرية؟!”.
بالطبع كان هذا كافياً لأولئك السفاحين. تذكرت كلمات عطية. نعم، القاسم المشترك بين جميع هؤلاء الـ 60 شخصاً وكل الذين كانوا يُعدمون في ليالٍ أخرى بالعشرات والمئات، هو أنهم كانوا يعشقون الحرية لدرجة أنهم كانوا مستعدين لدفع ثمنها بأرواحهم. لا أعرف من أي ركن في العنبر انكسر ذلك الذهول والصمت القاتل فجأة بنشيد “المجاهد”، لينضم إليه الجميع في لحظة واحدة:
يا مجاهد! يا مجاهد!
يا مجاهد بأمر إلهك
يا مجاهد، يا مجاهد، يا مجاهد وفِ بعهدك
أنت منتهى أماني الشعب، أنت شعلة طريق الغد للشعب…
بعد النشيد، عانقنا بعضنا البعض وقبلنا بعضنا، وابتلعنا الدموع في داخلنا… لكني بقيت مستيقظة حتى الصباح. كنت مستلقية في مكاني لكن النوم لم يزر عيني. كان بصيص من الأمل في عودة عطية لا يزال يختلج في قلبي. فجأة شعرت بید على كتفي، كانت ”شورى“ [2] التي كانت تنام بجانبي. سألتني: “أعظم، هل أنتِ مستيقظة؟”. قلت: “أنا أنتظر عطية، لم تأتِ بعد!”. بقينا أنا وشورى مستيقظتين حتى الساعة السادسة نترقب، لكن لا أثر لعطية.

الطبيبة شورانغيز كريميان
فجأة سُمع صوت فتح الباب، ظننتها عطية. قفزت بفرح وركضت نحو الباب، لكنها لم تكن عطية. كانت ابنة أخت عطية التي أخذوهما معاً. حينها تأكدت أن عطية كانت واحدة من أولئك الـ 60. ومع ذلك سألت: “أين عطية؟”. سكتت وبينما كانت تشخص ببصرها إلى نقطة ما، قالت:
“غنت عطية نشيد المجاهد… ورحلت!”
[1] ولدت عطية محرر خوانساري عام 1963 في أصفهان. كانت تبلغ من العمر 18 عاماً وقت استشهادها. كتب سجين سياسي آخر عن ليلة إعدامها: “عندما نادوا اسمها عرفت أنها لن تعود. عند رحيلها قالت: سامحيني! قلت لها: ما هذا الكلام، ستعودين! قالت: لا أعتقد ذلك. في اللحظات الأخيرة قالت للجلاد الملا ”جيلاني“: أنا لم أحاكم بعد، لا أصدق أنكم ستعدمونني. ورد جيلاني: بعد ساعتين ستصدقين”.
[2] المجاهدة الشهيدة الطبيبة معصومة كريميان، المعروفة لدى الكثير من السجناء باسم شورانغيز أو “شورى”. هذه المرأة العظيمة والطبيبة الثورية هي، بشهادة العشرات من شهود العيان، من أساطير المقاومة والصمود في سجون خميني. ولدت في مدينة كربلاء بالعراق، ويبدو أنها أكملت دراستها في تخصص العظام في ألمانيا. كانت موظفة في الهلال الأحمر الإيراني، وسُجنت من عام 1981 حتى مجزرة السجناء مجاهدي خلق في عام 1988. استشهدت في سن الثلاثين من بين 30 ألف سجين مجاهد تم إعدامهم في تلك المجزرة.




















