التطور التاريخي لقيادة النساء في المقاومة الإيرانية
تمثل الفترة الزمنية بين 18 إلى 22 أكتوبر/تشرين الأول نقطة تحول حاسمة في تاريخ حركة المقاومة الإيرانية، وتجسد تحولاً استراتيجياً وثقافياً وسياسياً في النضال ضد التطرف الديني. ففي 18 أكتوبر 1989، تولت السيدة مريم رجوي مسؤولية الأمين العام لحركة مجاهدي خلق الإيرانية.
وبعد أربع سنوات، في 28 أغسطس/آب 1993، انتخبها المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية كرئيسة جمهورية منتخبة للفترة الانتقالية لنقل السلطة إلى الشعب الإيراني؛ وهو القرار الذي تم الإعلان عنه رسمياً في 22 أكتوبر 1993.
أسست هذه السلسلة من الأحداث مساراً تاريخياً غير مسبوق حطم الحواجز التقليدية للتمييز الجنسي، ووضع النساء في الخطوط الأمامية للحركة الثورية ضد نظام الملالي المعادي للمرأة في طهران.
تحدي معاداة المرأة عبر التحول الهيكلي
شكل تولي مريم رجوي قيادة منظمة مجاهدي خلق في أكتوبر 1989 تحدياً مباشراً للأيديولوجية المتطرفة للملالي الحاكمين. وبني هذا القرار على عقود من تضحيات عشرات الآلاف من النساء البطلات اللاتي تحملن التعذيب والإعدام في عهد ديكتاتورية الشاه وتحت وطأة نظام الملالي، ورسم استراتيجية حاسمة لتفجير الطاقات الكامنة للنساء كقوة محركة رئيسية للتغيير الديمقراطي.
ولتحقيق المساواة الحقيقية، أضفت مريم رجوي طابعاً مؤسسياً على تغييرات جذرية في جميع مفاصل هذه الحركة:
- التغيير والتحول الهيكلي: إيجاد فرص متساوية للنساء في جميع مجالات القيادة السياسية والتنظيمية والعملياتية التي كانت في السابق حصراً على الرجال.
- التحول الثقافي والأيديولوجي: تحدي التصنيفات الجنسية والرؤى التي كانت تعتبر النساء عناصر ضئيلة القيمة وبعيدات عن مكانتهن الحقيقية.
- تحرير الرجال: تنشئة جيل جديد من الرجال داخل الحركة يرفضون برغبة ووعي الهيمنة الذكورية، ويتقبلون قيادة النساء، ويقيمون علاقات قائمة على المساواة الإنسانية الحقيقية والاحترام المتبادل.
أثبت هذا التحول أن مواجهة النظام الكهنوتي تقوم أركانها على معاداة المرأة تتطلب قوة طليعية ترفض التمييز الجنسي تماماً في الممارسة والأيديولوجيا على حد سواء. والنقطة ذات الأهمية هي أن بروز قيادة النساء أدى إلى ظهور جيل من الرجال اتحرروا من الرؤى الذكورية وخلقوا بيئة من الأخوة والمساواة الحقيقية والمسؤولية المشتركة.
هيمنة المجلس القيادي المكون من النساء
مع الإعلان الرسمي عن انتخاب مريم رجوي كرئيسة جمهورية منتخبة من قبل المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية في 22 أكتوبر 1993، نقلت مسؤولياتها التنظيمية في منظمة مجاهدي خلق إلى مجلس قيادي مكون من 24 امرأة كفؤة. وأثبت هذا الانتقال الهيكلي أن قيادة النساء ليست مجرد تعديل إداري أو إلحاق بهياكل السلطة الذكورية، بل هي تحول نوعي في جوهر السلطة ذاتها.
وداخل المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، حازت النساء على أكثر من 50 بالمائة من المقاعد وتولين مناصب قيادية في المجالات الدبلوماسية والسياسية والاجتماعية والثقافية.
وخلال فترة مسؤوليتها، روجت مريم رجوي لقراءة متسامحة وديمقراطية للإسلام تقف في مواجهة مباشرة مع النسخة الرجعية والمتطرفة التي يطرحها النظام للإسلام؛ وهو ما جاء بالتفصيل في مؤلفاتها مثل “النساء قوة التغيير” و”الإسلام الديمقراطي في مواجهة التطرف”. كما قدمت مشروعها المكون من 10 بنود لإيران حرة وديمقراطية وغير نووية تضمن المساواة بين الجنسين وإلغاء عقوبة الإعدام.
الصمود في أشرف وتأسيس المجلس المركزي من 1000 امرأة بطلة
اختُبر الصمود والثبات الحقيقي لهذا النموذج القيادي خلال 14 عاماً من المقاومة والصمود في أشرف وليبرتي (معسكرات جيش التحرير الوطني الإيراني على تخوم الوطن في العراق). وفي مواجهة الهجمات العسكرية والهجمات الأرضية والقصف الصاروخي والحصار القمعي من قبل نظام الملالي والحكومة التابعة له في العراق، قادت القائدات النساء الحركة بكفاءة وشجاعة مثالية عبر أشد المخاطر الجيوسياسية.
وبحلول عام 1993، أدى هذا النضج التنظيمي إلى تأسيس المجلس المركزي لمجاهدي خلق المكون من 1000 امرأة طليعية. ويعمل هذا المجلس كنموذج عملي ملموس للقيادة الجماعية والتضحية بلا حدود والصمود الأخلاقي. واعتمدت 1000 امرأة طليعية في المجلس المركزي مبدأ “يمكن ويجب” عبر التغلب على الشكوك الذكورية والتاريخية الذاتية، واستبدلن الطموحات الفردية والتنافسات والمعايير الثقافية السلعية بالتضامن والأخوة والمسؤولية المشتركة.
من القيادة الطليعية إلى الانتفاضات الوطنية
ترك التمكين المنهجي للنساء داخل المقاومة المنظمة تأثيراً مباشراً على المجتمع الإيراني والجاليات الإيرانية في الخارج. ففي مواجهة القمع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الشديد تحت حكم الملالي، تحولت نساء إيران إلى نابض مضغوط مستعد للقفز إلى الأمام من أجل التغيير الجذري، والتحقن بـ وحدات المقاومة التابعة لمجاهدي خلق في جميع أنحاء البلاد ووسعن نطاقها.
وجسدت هذه الاستمرارية التاريخية نفسها بوضوح خلال الانتفاضات الشاملة المتتالية:
انتفاضة 2009: برزت النساء كمنظمات رئيسيات في الميدان وقدن الانتفاضات في المدن الكبرى؛ مما أجبر المراقبين الدوليين على الاعتراف بوجودهن الطليعي.
انتفاضات 2017–2018 و2019: كانت النساء في مقدمة شبكات الاحتجاج و وحدات المقاومة، وتحدين جهاراً أجهزة القمع التابعة لحرس الملالي.
الانتفاضة الوطنية 2022: هذه الانتفاضة التي اندلعت بمقتل جينا (مهسا) أميني المفجع، أظهرت نساء إيران في الخط الأمامي المطلق حيث قدن شعارات إسقاط النظام وطالبن بجمهورية ديمقراطية.
انتفاضة 2025: واصلت النساء في هذا المسار غير القابل للكسر دورهن الطليعي في رأس الانتفاضات المستمرة المناهضة للحكومة وشبكات المقاومة الداخلية.
وقد اعترف نظام الملالي مراراً بالدور المحوري للنساء ومنظمة مجاهدي خلق في تنظيم هذه الانتفاضات. وخلال المحاكمات الصورية الأخيرة في طهران والتي استهدفت 104 من أعضاء ومسؤولي المقاومة الإيرانية، كانت إحدى التهم الرئيسية والرسمية الموجهة من قبل مدعي عام النظام هي قبول قيادة النساء من قبل هذه الحركة؛ وهو مؤشر واضح على أن هذا النموذج يهدد الحيوية الأيديولوجية للنظام بشكل جذري.
الخاتمة
إن المسيرة التي بدأت في 18 أكتوبر 1989 بانتخاب مريم رجوي كأمين عام لمنظمة مجاهدي خلق واستمرت بانتخابها كرئيسة جمهورية منتخبة من قبل المجلس الوطني للمقاومة الإيرانية في 22 أكتوبر 1993، أظهرت نموذجاً متقدماً للمساواة بين الجنسين في الساحة السياسية. والحركة التي انطلقت ببروز امرأة في رأس قيادة منظمة مجاهدي خلق الإيرانية حققت نمواً ديناميكياً وتطورت لتثمر عن مئات القائدات المؤهلات والكفؤات في جميع مستويات التنظيم. وقد أثر هذا التطور بشكل مباشر على المجتمع الإيراني؛ حيث يمكن ملاحظة الدور الطليعي للنساء بوضوح في جميع الانتفاضات لإسقاط النظام. وأثبتت هذه الحركة، من خلال تطورها من الهياكل التنظيمية إلى المجلس المركزي المكون من 1000 امرأة وتوسعها إلى وحدات المقاومة بقيادة النساء في جميع أنحاء البلاد، أن النساء هن القوة الحاسمة والتمكينية لدحر النظام الكهنوتي وإعادة الديمقراطية والمساواة لإيران.








