اليوم العالمي للفتيات الصغيرات هو فرصة للاهتمام بالأطفال الذين يحق لهم التمتع بالتعليم، الأمن، الصحة، اللعب، ومستقبل يناسب أعمارهم. ومع ذلك، بالنسبة للكثير من الفتيات الصغيرات في إيران، ترافق الطفولة مجموعة من الحرمان والآضرار؛ من الزواج في سن مبكرة والتسرب من التعليم إلى عمالة الأطفال، الفقر، والعنف داخل الأسرة.
هذه المسائل ليست منفصلة عن بعضها البعض. فالفقر يمكن أن يهيء المجال للتسرب من التعليم وعمالة الأطفال؛ والزواج المبكر يمكن أن يوقف تعليم الفتيات ويعرضهن للحمل المبكر والعنف، ومجموع هذه العوامل يمكن أن ينقل دائرة الفقر والحرمان إلى الجيل القادم.
عندما يسلب الفقر المدرسة من الفتيات
التعليم هو أحد أهم مسارات الخروج من الفقر، لكن الضغط الاقتصادي يمكن أن يبعد الفتيات عن المدرسة. وفي العائلات التي تواجه مشاكل معيشية، قد يدخل الطفل إلى سوق العمل بدلاً من الدراسة واللعب، أو في حالات يوقف الزواج المبكر تعليمه.
هذه المسألة لا تقتصر فقط على ضياع سنوات من التعليم. بل إن التسرب من التعليم يقلل أيضا من فرص المستقبل للفتاة ويمكن أن يحصرها في الكبر بمهن منخفضة الدخل وغير مستقرة. وبهذه الطريقة، تتشكل دائرة يؤدي فيها الفقر إلى التسرب من التعليم، ويزيد التسرب من التعليم بدوره من احتمال استمرار الفقر.
لكن الفقر في إيران اليوم لا يقتصر على طبقة معينة أو شريحة محدودة، بل يعيش الغالبية العظمى من الناس تحت خط الفقر. أفادت إيران آنلاین في 18 أغسطس/آب 2026 أن من بين سكان إيران البالغين تسعين مليون نسمة، يشمل نحو سبعة وثمانين مليوناً وخمسمائة ألف شخص تلقي الكوبونات الغذائية. الكوبون الغذائي هو إعانة بقيمة مليون تومان شهرياً لشخص واحد لا يمكن بها سوى تأمين طبقين من البيض.
زواج الأطفال؛ النهاية المبكرة للطفولة
واحدة من أهم المشاكل التي تواجهها الفتيات الصغيرات في إيران هي الزواج في سن مبكرة. وبناءً على المادة 1041 من القانون المدني، فإن زواج الفتيات دون سن 13 عاماً ممكن بإذن الولي وتقدير مصلحة القاصر من قبل المحكمة.
كما تظهر الإحصاءات الرسمية أن زواج الفتيات في سن الطفولة لا يزال مستمراً. واستناداً إلى بيانات مركز الإحصاء الإيراني، فقد تزوجت ما لا يقل عن 27 ألفاً و448 فتاة دون سن 15 عاماً في الفترة من شتاء 2021 إلى خريف 2022. كما تم تسجيل أكثر من 20 ألف زواج لفتيات دون سن 15 عاماً في الفصول الثلاثة الأولى من عام 2022، وأصبحت ألف و85 فتاة دون سن 15 عاماً أمهات في الفترة نفسها.
هذه الأرقام تعرض فقط الزيجات المسجلة ولا يمكنها وحدها تحديد حجم الزيجات القسرية، لكنها توضح أبعاد الزواج في سن الطفولة. يحرم الزواج المبكر الفتاة من مواصلة التعليم والتجربة الطبيعية لفترة الطفولة ويضعها أمام مسؤوليات مبكرة جداً على عمرها. ويُعد الحمل في سن مبكرة، الأضرار الجسدية والنفسية، زيادة احتمال العنف الأسري، وضياع الفرص التعليمية والاقتصادية، من التداعيات التي تطرح في ارتباط بزواج الأطفال.
ومن جهة أخرى، يمكن للفقر الاقتصادي في العائلات أن يزيد الضغط من أجل الزواج المبكر؛ بحيث يُنظر إلى الزواج باعتباره طريقاً لتقليص نفقات الأسرة أو حل المشاكل الاقتصادية. وبهذه الطريقة، يمكن للفقر وزواج الأطفال أن يعزز كل منهما الآخر.

العنف؛ حتى في المكان الذي يجب أن يكون الأكثر أمناً
زواج الأطفال والفقر ليسا المشكلتين الوحيدتين للطفلات في إيران. فإساءة معاملة الأطفال والعنف في البيئة الأسرية هو واقع مرير آخر لحياة بعض الأطفال. ووفقاً لتقارير مصادر النظام الرسمية، فإن إساءة معاملة الأطفال هي الشكل الأكثر شيوعاً للعنف الأسري في إيران.
في يونيو/ حزيران 2026، لفتت قضية فتاتين تبلغ كل منهما 7 و15 عاماً في سنندج، نارين وآيلين، انتباه الرأي العام إلى الأبعاد الشديدة لإساءة معاملة الأطفال. وبناءً على التقارير المنشورة، تم إخراج هاتين الشقيقتين من دورة مياه المنزل ونقلهما إلى المستشفى بعد بلاغات شعبية وتدخل الطوارئ الاجتماعية، وشوهدت آثار ضرب وجرح شديدين وكسور في أجزاء من أجسادهما.
تذكرنا هذه القضية بحقيقة أن المنزل، رغم أنه يجب أن يكون البيئة الآمنة للطفل، إلا أنه يمكن في بعض الحالات أن يتحول إلى مكان للعنف.
استناداً إلى التصريحات المنشورة عن معاون منظمة الرعاية الاجتماعية التابعة للنظام، فإن الفتيات يتعرضن لإساءة معاملة الأطفال أكثر من الصبيان، وقد كانت 55 بالمئة من تقارير إساءة معاملة الأطفال متعلقة بالفتيات. (خبرآنلاین، 5 مايو/أيار 2025)
مواجهة إساءة معاملة الأطفال لا تقتصر فقط على التعاطي بعد وقوع العنف. فالتعرف المبكر، دعم الطفل، الوصول إلى الخدمات الاجتماعية والنفسية، ووجود آليات مؤثرة للتدخل، تشكل جزءاً هاماً من الدعم الحقيقي للأطفال الذي لا وجود له خارجياً في ظل حكم نظام الملالي في إيران.
الفتيات في دائرة عمالة الأطفال
الفقر والضغط المعيشي يدفعان الأطفال في كثير من الحالات إلى سوق العمل. وعمالة الأطفال في إيران لا تقتصر فقط على الأطفال الذين يُرون في الشوارع. بل ينشط قسم من هؤلاء الأطفال في الورش الصغيرة، المنازل، المهن الموسمية، وغيرها من الأجزاء غير الرسمية للاقتصاد؛ وهي بيئات تنعدم فيها الرقابة والدعم للأطفال عملياً.
من حياكة السجاد وورش الإنتاج وصولاً إلى بيع المتاجر، نبش القمامة، والأعمال الخدمية، فإن الأطفال منشغلون بالعمل في أجزاء لا يرى الكثير منها بسهولة في الإحصاءات الرسمية. (موقع ”توسعه ایرانی“، 14 يونيو/حزيران 2026)
ومن الإحصاءات المقلقة المنشورة أن 38 بالمئة من الأطفال العاملين بدأوا نشاطهم الاقتصادي من سن الخامسة حتى السابعة؛ وهي سن يجب أن تُصرف في التعليم، اللعب، والنمو الطبيعي للطفل. (صحيفة شرق، 15 يونيو 2026)
أعلن حسن موسوي جلك، معاون الصحة الاجتماعية للرعاية الاجتماعية، أن ربع الأطفال العاملين المشمولين برعاية هذه المنظمة هن من الفتيات. (تسنیم، 11 يونيو/ حزيران 2025)
تتواجه الفتيات العاملات مع مخاطر خاصة. فهن إضافة إلى الحرمان من التعليم والضغط الاقتصادي، قد يتعرضن لسوء الاستغلال الجسدي والجنسي. وتقلص بعض الفتيات شعورهن بالخطر وجذب انتباه أقل، حتى إنها يقصصن شعورهن ويرتدين ملابس صبيانية. (إسنا، 3 مايو/أيار 2021)
لذلك فإن عمالة الأطفال ليست مجرد مسألة دخل عائلة واحدة؛ بل يمكنها أن تربط مجموعة من الحرمان ببعضها: الفقر، التسرب من التعليم، العمل المبكر، انعدام الأمن، وتقليص فرص المستقبل.

مسألة تتجاوز بضع إحصاءات
إن ما يجعل وضع الفتيات الصغيرات في إيران مقلقاً ليس فقط عدد الزيجات، الأطفال العاملين أو حالات إساءة معاملة الأطفال؛ بل هو الارتباط بين هذه الظواهر.
الفتاة التي تعيش في عائلة فقيرة قد تُحرم من الدراسة بسبب الضغط الاقتصادي وتدخل سوق العمل. وفتاة أخرى قد تتزوج في سن مبكرة وتفقد فرصة الدراسة والاستقلال الاقتصادي. وطفل آخر قد يقع ضحية العنف في المنزل ويبقى معرضاً للآضرار لفترة طويلة بسبب غياب الدعم المؤثر.
في مثل هذه الظروف، يمكن لكل مشكلة من هذه المشاكل أن تفاقم المشكلة الأخرى وتتشكل دائرة من الحرمان يصعب الخروج منها.
ومن جهة أخرى، فإن الوصول إلى إحصاءات شفافة له أهمية بالغة أيضاً. إن توقف نشر بعض الإحصاءات المتعلقة بزواج الأطفال وعدد الأطفال المولودين من أمهات دون سن القانون، يجعل تقييم التوجهات بدقة والتخطيط لمواجهة هذه الظواهر أكثر صعوبة. (صحيفة اعتماد، 9 سبتمبر/أيلول 2024)
الطفولة حق للجميع
لا يجب أن يكون اليوم العالمي للفتيات الصغيرات فرصة لتذكر المشاكل فقط؛ بل يجب أن يكون مذكراً بالحقوق التي يجب أن يتمتع بها كل طفل: حق التعليم، الأمن، الصحة، النمو، اللعب، واختيار المستقبل.
إن إنهاء زواج الأطفال، مواجهة العنف ضد الأطفال، وتقليص عمالة الأطفال، ليست مسائل منفصلة. ولكسر دائرة الحرمان، يجب الانتباه إلى جذورها المشتركة، بما في ذلك الفقر، التسرب من التعليم، وضعف دعم الأطفال.
إن زواج الأطفال في إيران هو جريمة منظمة وحكومية. وقد انتشرت هذه الظاهرة في ظل القواعد الشرعية ونظام ولاية الفقيه وهي جزء من آلية قمع النساء والسيطرة على المجتمع.
خلف كل رقم، يكمن طفل مسلوب، مستقبل مدمر، وإنسان صامت. ولن تنتهي معاناة الفتيات الصغيرات في إيران بالإصلاحات السطحية أو الوعود الفارغة. الطريق الوحيد لإنهاء هذه الكارثة هو إسقاط نظام ولاية الفقيه المعادي للمرأة والفاسد الحاكم في إيران.















