كانت ابتساماتها الجميلة نداءا للنصر على جدران إيفين السميكة
أقسمت فريبا دشتي ألا يجري على شفتيها ولسانها شيئا سوى ضحكة مشرقة قاهرة وكلمة الحرية المقدسة.
تذكرنا أيام يوليو/ أغسطس اللاهبة الحارقة بذكرى مجزرة الإبادة الجماعية لـ 30 ألف راية من أجل الحرية سنة 1988، أيام صيف 1988 المحمومة الدامية والتي تم فيها تكبيل ثلاثين ألف سجين سياسي وتسليمهم إلى فرق الإعدام شنقا أو رميا بالرصاص بأمر من خميني، أيام وليالي رغم أن أحدا لم يفهم فيها ما حدث للنساء المجاهدات في السجون بكافة أنحاء إيران بمجزرة الإبادة الجماعية الدموية تلك لكن التاريخ سوف يشهد ويدل على وفائهن وولائهم لميثاق الحرية.
لقد عشن في عزلتهن
بداخل خلوة المجهول
من أجل الجميع
أما نحن
فسنسرد قصتهم التي لم تُسرد من قبل…
من كانت فريبا دشتي؟
فريبا دشتي هي واحدة من هؤلاء النساء الشجاعة الأبية اللواتي أعدمن بفتوى خميني في صيف 1988 مع عدد كبير من المجاهدات في سجن إيفين.
وُلِدَت فريبا دشتي في آبادان عام 1963، ولم يكن عمرها أكثر من 15 عاما عندما قامت الثورة المناهضة ضد الشاه، وشاركت برفقة غيرها من الطلاب المتحمسين والثوريين في الأنشطة المناهضة لديكتاتورية الشاه، وكتبت شعارات مناهضة لديكتاتورية الشاه على باب المدرسة وجدرانها، وشاركت برغبة وحماس تامين في المظاهرات.
وإنبهرت برؤى ومُثُلِ مجاهدي خلق وأيدتهم بعد سماعها لخطاب مسعود رجوي في جامعة طهران بعد الثورة ضد الشاه وأندفعت لتصبح من أنصارهم.
طفلة الحرية هذه التي عشقت المحرومين والمضطهدين من أبناء الشعب تحولت بعد فترة وجيزة إلى برعم أخضر ووسعت من نشاطها وواصلت عملها وجهودها الدؤوبة طوال الوقت في صفوف قسم طلاب المدارس لمجاهدي خلق.
بعد 20 يونيو 1981 وبداية عهد القمع والإعدام تحولت إلى نمط الحياة السرية، وعلى الرغم من أن نظام خميني كان يحاول اعتقال مجاهدي خلق إلا أنها واصلت نشاطها بشغف وحماس متزايد دون أي خوف أو ريبة وذلك للعمل على كسر الصمت والاختناق السائد المتحكم في المجتمع.

الإجتياز بفخر لإختبارالسجن والتعذيب الصعب
كانت فريبا دشتي قد بلغت من العمر 18 عاما عندما اعتقلها قوات الحرس أثناء قيامها بإحدى واجباتها وأُرسِلَت إلى سجن إيفين، وخضعت بروحها القتالية والثورية تحت كل أنواع التعذيب في السجن بسبب دفاعها عن مجاهدي خلق وقيم حرية الشعب الإيراني، ولم يقتصر الأمر فقط على عدم تأثير السجن والتعذيب على معنويات هذه المرأة الشابة، بل كانت بمعنوياتها وحماسها رمزا أكبر يحتذى به للسجينات الآخريات.
وبقيت جدران السجن الرطبة في حسرة دائمة لسماع أنينها ونواحها، وقد خجلت السياط وكابلات وسرير التعذيب من مقاومتها، لكنها أقسمت ألا يجري على شفتيها ولسانها شيئا سوى ضحكة مشرقة قاهرة وكلمة الحرية المقدسة، وكانت ابتساماتها الجميلة نداءا لقهر جدران سجن إيفين الحجرية السميكة، ولم يتمكن الجلادون أبدا من إنتزاع ضحكتها السعيدة فهي التي كانت تسخر وتستهزأ بالمحققين لساعات، وقد حثت رفاقها في العنبر على أن يكونوا سعداء حتى لا يقعوا في براثن اليأس والاستسلام، وعندما دخلت إلى العنبر بالسجن كسرت فضاء الصمت والسكون والبرود ومنحت الأمل والحماس والنشاط للسجينات الآخريات، وقد حدث كل هذا بفضل إيمانها الراسخ وعزيمتها وإرادتها التي لا تُقهر.
وتذكر إحدى النزيلات رفيقات فريبا دشتي في عنبر السجن في ذكريات فتقول: “كانت فريبا دشتي من بين الأشخاص الذين يتعرضون للعقاب باستمرار وبقيت محتجزة بداخل زنزانة مغلقة لمدة 5 أشهر قبل إعدامها، وكانت وضعية الزنزانة المغلق على هذا النحو الذي هو عبارة عن مجموعة الأشخاص محتجزين في غرف صغيرة ويفتح الباب ويغلق ثلاث مرات في اليوم لتقديم الطعام، ولا توجد فيها أي إمكانية للمشي العادي، أو الخروج للتهوية والتنفس في الهواء الطلق …
يتم فتح مدخل السجن كل يوم حيث يتم نقل عدد من السجناء الجدد إلى داخل السجن، وكان الباب يُفتح في كثير من الأحيان بالقوة وذلك لتكدس السجينات الجالسين في الإزدحام خلفه، وكان العنبر الذي اُحتُجِزت فيه فريبا وبعض الآخرين في الواقع عبارة عن شقة عادية بها قاعة وغرفتين صغيرتين وحمام ومغسلة، وقد كانت تستخدم كقسم إداري لإيفين في زمن الشاه، وحتى تلك اللحظة التي كانت موجودة فيها كان باب المدخل مكتوبا عليه أرشيف!
بيئة صغيرة بأبواب مغلقة، وأجواء مؤلمة محبطة، وحرارة خانقة، وتكدس السجناء في غرفة صغيرة، … لم تكن تلك القضايا لتشغل بال فريبا دشتي ، فلقد كانت كل جهودها لإخراج الرفيقات من جو السجن المحزن ومن حالة إحساسهم بتواجدهم في السجن.
لذلك كان كل تواصل مع العدو أرضية لخلق قصة ومزحة للسخرية من السجان، ولم تكن “فريبا” لتفوت وتمرر أي شيء، وكانت نفسها تقول بإنها تنظر إلى العدو بروح الدعابة، ولذلك كانت مبتهجة دائما ومنتعشة، وكان من البديهي أن يجتمع حولها جميع الرفيقات ويحبونها كثيرا، وكانت تحفزهن ويستمدون العزم والصمود منها، ويمكن أن يصل صوت ضحكاتهن في بعض الأحيان لساعات متتالية إلى مسامع الجلادين والسفاحين، وهذا ما يزيد من ذنوب فريبا دشتي لديهم.
وكانت فاريبا دشتي برفقة بطلات آخريات مثل: سوسن صالحی، تهمینه ستوده، فروزان عبدي، ناهید تحصیلي، رقیه اکبري منفرد، پروین حائري، مهدخت محمدیزاده، اعظم عطاري، اشرف فَدائي، فرنگیس کیواني، شکر محمدزاده، صنوبر قرباني… لقد كانوا جميعا رموزا للبطولة والمقاومة في كل الظروف، وقد عانوا من عدم توفر الحد الأدنى من المرافق المعيشية وحُرِموا من التنفس في الهواء الطلق، وتحملوا كل هذه الصعاب والتعذيب اللاإنساني فقط من أجل حرية أبناء وطنهم التي سعوا لشرائها بأرواحهم.
وكانت فريبا دشتي حتى آخر أيام حياتها برفقة هؤلاء النساء البطلات تسخر وتستهزأ من السجن والتعذيب والجلادين السفاحين، وبعد سنوات من التعذيب وفي صيف 1988 سُلِمت بفتوى من خميني لفرقة الموت بابتسامة منتصرة على وجهها ، والتحقت بكوكبة الشهداء وبأخيها الشهيد هومن الذي أُعدِم قبلها، كل هؤلاء النساء اللواتي إنبهرت عقولهن بالحرية وعشقتها أرواحهن ، وقفن وثبتن بفخر في مواجهة فتوى خميني بالموت، وها هي أسمائهن تقف بثبات خالدة بالحق مخلدة بثباتهن وتضحياتهن مجسدة ومعبرة عن الحياة الواقعية التي يعيشها الشعب الإيراني.




















