خاطرات سجن اعظم حاج حيدري من كتاب ثمن البقاء إنساناً – الجزء الثالث والعشرون
بعد أكثر من سبعة أشهر من تحمل الحبس في سجن القفص، في ظروف كانت فيها السجينات المجاهدات تحتجز في انفراديات تسمى القفص، مع عصابة العينين وفي الصمت وعدم المعرفة، جاء اليوم أخيرًا الذي انتهى فيه كابوس القفص. تروي أعظم حاج حيدري في هذا القسم من ذكرياتها، لحظة رفع عصابات العينين، واللقاء مجددًا برفاقها وإحساس الانتصار بعد أشهر من المقاومة؛ رواية عن نساء لم يستسلمن في أقسى الظروف وفرضن صمودهن على النظام.
أعظم حاج حيدري، من المناضلات والسجينات السياسيات في عقد الثمانينات، سجلت ذكريات سنوات سجنها في كتاب ثمن البقاء إنساناً. وهي تتحدث في هذا القسم عن نهاية كابوس القفص وما تعتبره هي بنفسها هزيمة “عنبر القيامة“؛ عن اللحظة التي رأت فيها وجوه رفاقها مجددًا بعد أشهر، وأدركت أن ما خططه الجلادون لتحطيم معنويات السجينات قد باء بالفشل.
عندما تم رفع عصابات العينين بعد سبعة أشهر
استمر عنبر القفص أكثر من سبعة أشهر، إلى أن جاء في أحد الأيام أشخاص موفدون من قبل “حسينعلي منتظري” إلى السجن ودخلوا عنبر القفص، وتحدثوا مع واحدة أو اثنتين من الأخوات. وسألوا إحداهن: أخبريني، ماذا يجري هنا؟ فأجابت: أنا معصوبة العينين ولا أرى ما الذي يجري، أما أنت فلا تضع عصابة على عينيك، فانظر بنفسك لترى ما الذي يحدث! ثم جاء ذلك الملا ووقف أمامي وقال: لا تنسبوا هذه الأفعال إلى الإسلام، لقد جئنا للتحقق من أوضاع هذا المكان!
وتزامن ذلك مع إبعاد الجلاد “لاجوردي”، ظاهرًا. وبدا أن النظام، بعدما لم يحقق غايته من تلك الأساليب، أراد أن يوحي بأن الأوضاع قد تغيرت. إلا أن لاجوردي، رغم إبعاده ظاهريًا، ظل مكتبه في الطابق الثالث من مبنى النيابة، وقد أكد كثير ممن أحيلت ملفاتهم إلى النيابة بعد الإفراج أنهم رأوه هناك مرارًا.
على أي حال، تحدث أولئك الأشخص يومها ببعض الكلمات، وصوروا المكان بأكمله، ثم غادروا. وبعد ثلاثة أيام، بينما كنا لا نزال جالسات في المكان نفسه، جاءوا وأزالوا الألواح، كما نزعوا العصابات عن أعيننا. وبعد سبعة أشهر كاملة، أصبحنا نرى بعضنا بعضًا من جديد.
وحين أزيلت العصابة عن عيني، وقع بصري فجأة على “شوري” بوجهها المشرق وابتسامتها الجميلة. ثم نظرت إلى الجهة الأخرى، فإذا أنا بـ”هنكامة” تبتسم لي بعينيها المليئتين بالمشاكسة كما عهدتها دائمًا. كان ذلك منظرًا لا يصدق؛ أجمل ما وقعت عليه عيناي بعد سبعة أشهر من العيش معصوبة العينين. شعرت وكأن الدنيا كلها قد وضعت بين يدي. فبادلت الجميع الابتسام. ثم رأيت عزيزتي “سبيدة” تجلس غير بعيد، وكانت تخاطبنا بنظراتها من بعيد، وكأنها تقول: أرأيتن يا أخوات؟ لقد انتصرنا!
وبينما كنت أحدق في الوجوه بصمت، غلبتني دموعي من شدة الفرح. وبعد أن غادر العملاء وبقينا وحدنا، جاءت “شوري” واحتضنتني وقالت: أعظم، لماذا تبكين؟ وضعت رأسي على كتفها، وأطلقت العنان لدموعي. فأخذت تربت علي بحنان وقالت: أرأيت؟ لقد انتهى كل شيء. فقلت لها: شوري، أشعر أنني نسيت كل شيء، وكأنني أصبحت متخلفة عقليًا.
رفعت رأسي، ونظرت في عيني، ولن أنسى أبدًا وجهها الحنون ولا ذلك البريق في عينيها؛ بريقًا كان يشع تصميمًا وإرادة وعزمًا لا يتزعزع. ثم قالت لي: أعظم، أتبكين؟! البكاء ليس من شيم المجاهدة! لم يحدث شيء!
كانت “شوري” طبيبة. وحين رويت لها شيئًا مما كنت أعانيه جسديًا، أصغت إلي بكل مودة وصبر، ثم قالت: كل هذا نتيجة الضعف الجسدي الناجم عن قلة أكل الطعام. ستستعيدين قوتك، وستعود إليك ذاكرتك تدريجًا… فقلت لها: شوري، أما دموعي التي ذرفتها من أجل نفسي فسأستردها، أما تلك التي سالت فرحًا برؤيتكن، فاقبليها! فضحكت ضحكة عذبة… وكانت “هنكامة” تقف إلى جانبي، تحاول بنظراتها أن تحدثني، وكانت بقية الأخوات كذلك؛ يتخاطبن بالعيون، ويروين لبعضهن، بلغة لا تحتاج إلى كلمات، حكاية الأشهر السبعة التي لا يمكن أن تحتويها العبارات. كانت حكاية لا تختصرها إلا جملة واحدة: “الصراع من أجل البقاء إنسانًا”.
نهضت ووقفت، ثم رأيت بقية الأخوات. وكلما رأت إحداهن الأخرى، كانت تطلق، دون إرادة، صيحة خافتة امتزج فيها الفرح بالذهول: “يا إلهي! كيف أصبحت هكذا؟!”
كن الأخوات، خلال تلك الأشهر السبعة أو الثمانية، قد شخن وتهالكن وكأن خمسة عشر أو عشرين عامًا قد مرت عليهن. ولأنه لم تكن هناك مرآة، لم تكن أي واحدة ترى وجهها أو حالتها الخارجية، فكانت كل واحدة تشفق على الأخرى، دون أن تدري أن المصير نفسه قد حل بها أيضًا.
وكانت رؤيتي لكل واحدة من الأخوات تشرح صدري شيئًا فشيئًا. ولأنني لم أكن أستطيع الجلوس، أخذت أمشي، حتى وصلت إلى “هنكامة”، التي كنا معًا طوال فترة القفص. وكانت، كعادتها، مفعمة بالحيوية والمشاكسة؛ تتحدث بسرعة وبصوت مرتفع، وتثير الضجيج، وتمزح مع هذه وتلك، وتقلد “الحاج”.
خشيت أن يكون بين الخائنات من تسمعها، فيتخذوا منها ذريعة جديدة ضدها، فقلت لها: يا فتاة، اخفضي صوتك قليلًا حتى نعرف أولًا ماذا يجري في الخارج! فأجابت، بروحها الهجومية المعهودة: “دعك من هذا! ماذا بقي أصلًا ليأخذه منا “الحاج”؟! ماذا يستطيع أن يفعل بنا أكثر مما فعله؟!
ثم واصلت ضجيجها، بينما كنت أكتفي بالنظر إليهن. ومن مجرد رؤيتهن، كنت أشعر وكأن الحياة تعود إلى جسدي، وكأن خلاياي تمتلئ من جديد بمادة الحياة. وكان قلبي يغمره الفرح لأننا جميعًا، معًا، هزمنا العدو بكل ما امتلكه من رذالة، وكنت أغرق شعورًا بالفخر والاعتزاز لأنني كنت إلى جانب أولئك البطلات.
كلما نظرت إلى واحدة من الأخوات، كنت أرى في وجوههن ونظراتهن، التي امتزج فيها الضحك بالبكاء، عالمًا كاملًا من الكلمات يتدفق بصمت. وكأنهن، مثلي، كن يقلن لبعضهن البعض بعيونهن: يا “لاجوردي“، أرأيت كيف انهارت نظريتك الإجرامية انهيارًا مخزيًا؟ أرأيت كيف مرغنا كبرياءك في التراب؟ وكنت أقول في نفسي مخاطبة “حاج رحماني“: أيها الجبان الأحمق! لماذا اختبأت الآن؟ لماذا لم تعد تتبجح؟ تعال وانظر من هو البطل حقًا!
كنت أعد اللحظات انتظارًا للعودة إلى العنبر، لأرى بقية الأخوات. فكنا نسمع دائمًا، عبر مكبرات الصوت التي كانت تبث الاجتماعات في ممر الوحدة الثالثة، عنبر النساء، أنهم كانوا يقولون للسجينات: هناك مكان يشبه القيامة…
كانوا يريدون بهذه الأحاديث أن يصنعوا في نفوسهن كابوسًا، وأن يحطموا مقاومتهن داخل العنابر. ولذلك كنت أتوق إلى العودة سريعًا، لأحكي لهن قصة هزيمة عنبر “القيامة”. كم كنت أشتاق إلى كل واحدة منهن! كنت أشعر أن لدي لكل واحدة منهن عالمًا من الكلام، ولا بد أن عندهن أيضًا الكثير ليقلنه لي. فلا شك أن أمورًا كثيرة قد جرت في العنبر خلال تلك الأشهر…
وهكذا انتهى ذلك “الجحيم و القيامة” الذي استمر سبعة أشهر ونصف، والذي كان في حقيقته صراعًا ضروسًا بين خميني ومجاهدي خلق، بانتصارنا وهزيمة العدو هزيمة قاطعة.
كان هذا العدو المعادي للإنسانية قد أنشأ هذا العنبر وهو يتوهم أنه خلال أسبوع، أو في أقصى الأحوال شهر، سيصل جميع سجناء مجاهدي خلق إلى حافة الانهيار، فيرفعوا راية الاستسلام والتوبة. وكان “لاجوردي” الجلاد، بعد أن أخفقت كل حملات الإعدام التي أشرف عليها في استجواب غايتها، يظن أن المشكلة تكمن في عدم توفر عدد كاف من الزنازين الانفرادية، وأنه إذا وضع الجميع في ظروف العزل، فلن يبقى بعد شهر واحد أي سجين ثابتًا على موقفه.
ومن هذا المنطلق أنشأ عنبر “القيامة”، بتلك الأقفاص والتوابيت، التي كانت ظروفها أشد رعبًا من الزنازين الانفرادية نفسها. لكنهم في النهاية ارتد كيدهم عليهم، واضطروا إلى الاعتراف بهزيمتهم، وإلى إبعاد “لاجوردي”، ولو شكليًا، عن الأنظار مدة من الزمن، لعلهم يخففون، في ظنهم، من موجة السخط واللعنات التي جلبها عليهم، ويغيروا واجهة المشهد.
فهم لم يكونوا يعرفون إلا الكائنات الحقيرة من طينتهم، ولم يدركوا حقيقة الإنسان ولا القوة الكامنة فيه؛ الإنسان الذي يعقد العزم على المقاومة، ويصر على أن يبقى مجاهدًا.
يتبع




