التقارير التي تتسرب قطرة قطرة من إيران وسط انقطاع الإنترنت تشير إلى مجزرة منظمة للمتظاهرين في مدن متعددة؛ من حرق متعمد لأماكن التجمع وحصر الناس وسط الدخان والنار، إلى إطلاق نار مباشر على أفراد غير مسلحين وإطلاق رصاصة الرحمة على الجرحى.
هذه الأدلة تقدم صورة واضحة عن ارتكاب جريمة ضد الإنسانية من قبل نظام الملالي خلال قمع الانتفاضة الوطنية للشعب الإيراني. في الوقت نفسه، تشير التقارير إلى استمرار الاشتباكات والمناوشات بين الشباب الثوار وقوات الوحدات الخاصة في قلب طهران ومدن أخرى؛ مدن تعيش تحت حالة حكم عرفي غير معلن.
إنها عزيمة أبناء الشعب الإيراني، رغم القمع الشديد والخنق، قامت للمرة الرابعة خلال السنوات الثماني الماضية للتحرر من قبضة نظام ظالم والوصول إلى الحرية؛ انتفاضة هذه المرة أكثر شجاعة من أي وقت مضى، ولهذا السبب واجهت أبشع رد فعل قاتل من الحكومة. وقد شرح المتحدث باسم هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية، أبوالفضل شكارجي، سبب هذا العنف الصريح قائلاً: «حتى لو تأخرنا دقائق، حتى ساعات، لكانت لدينا حالة أخرى». (وكالة إيسنا، 20 يناير 2026)
في هذا السياق، سعى مجلس أمن النظام بنشر إحصاءات مزيفة إلى إخفاء المسؤولية المباشرة للسلطة وقوات القمع في مجزرة آلاف المتظاهرين، وهندسة الرأي العام.

حرق متعمد لسوق رشت التاريخي
بحسب الشهود، مساء الخميس 8 يناير 2026، أحرقت قوات الأمن عمداً سوق رشت التاريخي الذي كان مكتظاً بالمتظاهرين الذين لجأوا إليه، ثم أطلقت النار على الذين حاولوا الفرار؛ بحيث لقي عدد من الضحايا حتفهم بسبب الاختناق والحروق، وقتل آخرون تحت وابل الرصاص أثناء خروجهم من السوق.
صورة الأحذية المتبقية في سوق رشت تعكس جزءاً من الجرائم المروعة لنظام الملالي لإخماد الاحتجاجات. قارن الكثيرون هذه الصورة بأحذية ضحايا الهولوكوست في متحف واشنطن؛ تشبيه ليس رمزياً فحسب، بل يعكس نمطاً مشابهاً للإبادة المنهجية للمدنيين.
كتب سورين إدغار، نائب رئيس اتحاد الجالية الإيرانية الأسترالية، على منصة إكس: «إذا لم تكن هذه جريمة ضد الإنسانية، فما هي إذن؟»

مجزرة المتظاهرين في مدينة مشهد
شهد عيان من مدينة مشهد عن أحداث ليلة 8 يناير 2026 قال إن الناس تجمعوا في مناطق مختلفة من المدينة، بما في ذلك حي الطلبة، شارع صياد شيرازي، بليفارد وكيل آباد، شارع 7 تير، وتقاطع بيروزي، وكانت الشوارع مكتظة بالحشود. لكن قوات الحكومة أطلقت النار بالرصاص الحي قرب قاعدة البسيج في 7 تير على المتظاهرين. وقال إن قوات الملثمين والوحدات الخاصة لعبت الدور الرئيسي في القمع. وكانت المجزرة أشد في مناطق أخرى مثل منتزة الشعب وشانديز. اقتحمت القوات المسلحة المنازل التي آوت المتظاهرين بعنف واعتقلتهم.
يقول الشهود إن صباح اليوم التالي، رغم محاولات القوات محو آثار القمع، بقيت آثار الدم على الأرصفة. شعارات مناهضة للحكومة مسحت على الجدران؛ لكن محطات الحافلات المحطمة روت قصة الاشتباكات في الليلة السابقة.
حمام دم في شوارع فرديس
كانت مدينة فرديس في كرج أيضاً إحدى مراكز الاحتجاجات الرئيسية والقمع القاتل للمتظاهرين. تحدث شاهد عيان عن كثافة حضور الناس في الشوارع والاشتباك الشديد مع قوات الأمن، و«حمام دم» في الشوارع.
بحسبه، هاجمت قوات القمع فجأة في الدائرة الثالثة لفرديس وأطلقت النار بالرشاشات على الناس. استمرت المجزرة من الساعة 8 مساءً في 9 يناير 2026 حتى 9:30، واستمرت المناوشات حتى منتصف الليل. حتى الساعة 3:30 صباحاً، عندما تمكن من مغادرة مخبئه، كانت جثث القتلى قد جمعت. بين الجرحى كان هناك من كبار السن والشباب وحتى الأطفال الصغار. وقال الشاهد إن العديد من الجرحى أُطلقت عليهم رصاصة الرحمة.
كما في ليلة 8 يناير 2026 في منطقة سياه نوش فرديس، أطلقت قوات الحكومة وابل الرصاص على الناس.

قمع ومجزرة منظمة
ما ورد من مدن مختلفة يشير إلى نمط قمع ومجزرة منظمة ومنسقة خلال الانتفاضة الوطنية. استخدام أسلحة حربية، إطلاق نار على الرأس والصدر، رصاصة الرحمة على الجرحى، جمع الجثث، وقطع الإنترنت؛ كلها عناصر موجودة في التقارير من جميع المدن.
حرق متعمد لأماكن تجمع المتظاهرين، إطلاق نار مباشر على غير المسلحين، حصر الناس وسط الدخان والنار، ومنع الإسعاف؛ كل ذلك يدل على قمع قاتل واستمرار جريمة ضد الإنسانية خلال الانتفاضة العامة.
تزييف الإحصاءات الحكومية: محاولة تبرئة المجزرة وتحويل المسؤولية
بعد نحو أسبوعين من إحدى أكبر مذابح الشعب الإيراني، ادعى المجلس الأعلى للأمن القومي للنظام في بيان يُسمى «تحليلياً» أن 3117 شخصاً قُتلوا خلال يومي 8 و9 يناير 2026 في الانتفاضة، منهم 2427 «من المدنيين الأبرياء وحماة النظام والأمن»، و690 من «الإرهابيين والمشاغبين». إحصاء واضح أنه محاولة لتخفيف المسؤولية المباشرة للسلطة وقوات القمع في هذه المجزرة الواسعة.
في المقابل، أفادت شبكة سي بي إس في 13 يناير 2026، بناءً على بيانات نقلها أطباء داخل البلاد ومصادر طبية بصعوبة بالغة وسط انقطاع الإنترنت، بمقتل ما لا يقل عن 12 ألف شخص، وقد يصل العدد إلى 20 ألفاً.
ادعى علي أكبر بورجمشيديان، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي للنظام، في حوار مع وسائل إعلام حكومية أن سبب «التأخير» في إعلان الإحصاءات هو «الدقة في تصنيف الضحايا». ولتحويل المسؤولية وتبرير القمع والإعدامات، زعم:
«جزء كبير من الذين قُتلوا في الأحداث أُصيبوا برصاص من مسافة قريبة. بينما قوات الشرطة على بعد من الحشود. إطلاق النار من قريب يعني أن أشخاصاً بين المشاغبين أطلقوا النار على الناس». (تسنيم، 21 يناير 2026)
هذه الادعاءات تُطرح بينما روى شهود عديدون أن قوات الحكومة هي التي كانت تطلق رصاصة الرحمة على المتظاهرين الجرحى وحتى القتلى، ثم تجمع الجثث لإخفاء حجم الجريمة.

التحقق من هوية 321 شهيداً، مقابر جماعية، وابتزاز العائلات
أعلنت منظمة مجاهدي خلق الإيرانية يوم الثلاثاء 20 يناير 2026 أنها نشرت أسماء 103 شهداء آخرين من شهداء الانتفاضة الوطنية بعد التحقق والتأكد من هوياتهم. وبهذا، تم التحقق من هوية 321 شهيداً حتى الآن، منهم 37 امرأة من صانعات الانتفاضة.
سابقاً، في 12 يناير 2026، أعلنت المنظمة أن عدد القتلى في الانتفاضة الوطنية من 28 ديسمبر 2025 إلى 11 يناير 2026 تجاوز 3000 شخص في أنحاء البلاد.
في الوقت نفسه، تشير تقارير من مدن مثل كرمان ورشت إلى إنشاء مقابر جماعية ودفن سري للشهداء من قبل النظام. بحسب هذه التقارير، هددت الأجهزة الأمنية العائلات وأجبرتها على الصمت، وفي حالات فرضت مبالغ تصل إلى 800 مليون تومان مقابل تسليم الجثث؛ فعل يُعد دليلاً آخر على محاولة منظمة لإخفاء الجريمة.
استمرار الانتفاضة والاشتباكات في الشوارع
التقارير التي تتسرب وسط انقطاع الإنترنت تشير إلى استمرار الاشتباكات وعمليات الكرّ والفرّ بين الشباب الثوار وقوات الوحدات الخاصة في مدن متعددة.
تشير تقارير ليلة الثلاثاء 20 يناير 2026 إلى أن الشباب الثوار في طهران هاجموا قاعدة بسيج في منطقة أتابك التي أفراد ها قتلت العديد من الشباب خلال الانتفاضة، وأحرقوها.
في رشت وكرمانشاه ومشهد أيضاً، دارت اشتباكات بين الشباب وقوات الوحدات الخاصة، واستمرت عمليات الكرّ والفرّ في شوارع المدن.
في زاهدان، أغلق الشباب الشجعان بعض الطرق الرئيسية لقوات العدو بالنار وشعار «الموت للظالم سواء كان الشاه أو خامنئي».
كما شهدت مساء الاثنين 19 يناير 2026 مدن طهران وتبريز وإيذه مواجهات عنيفة مع قوات القمع.

في مأزق النظام، تستمر الانتفاضة
مجموع هذه التقارير يقدم صورة واضحة عن الوضع الحالي في إيران: نظام يلجأ إلى المجزرة المنظمة، الحرق، تزييف الإحصاءات، الدفن السري للضحايا، والقمع الصريح للحفاظ على السلطة. مع ذلك، استمرار الاحتجاجات والاشتباكات يظهر أن العنف والجريمة لم توقف الانتفاضة فحسب، بل عززت إرادة الشعب في إنهاء نظام قمعي.




















