ذكريات سجن أعظم حاج حيدري من كتاب “ثمن البقاء إنساناً” – الجزء السادس والعشرون
في إطار ذكريات سجن أعظم حاج حيدري، تروي إحدى أكثر تجارب سجن إيفين رعباً؛ اليوم الذي أُقتيد فيه السجناء في برد الشتاء ومعصوبي الأعين إلى تلة خلف العنبر 209؛ حيث كانت آثار الإعدامات السابقة لا تزال واضحة على الأرض. وسط هذه الأجواء، تتجدد في ذاكرة أعظم ذكرى الشهيدة سيبا شریف بور وسائر المجاهدات الشهيدات، وتقف بصمود أمام محاولات المحققين لكسر إرادتها وإجبارها على التخلي عن موقفها تجاه المنظمة.
أسبوع من الإعدامات الوهمية!
كلما بدأ الجلادون وذيول الجلادين بالصراخ والضجيج، كنا ندرك أن هجومًا واقتحامًا جديدًا على وشك الحدوث، فنستعد له.
في أحد الأيام، سمعنا صراخ “حلوايي”، ذلك المجرم صاحب الصوت القبيح، الذي كان يصرخ من مدخل العنبر، طالبًا مواجهة السجينات ویقول: ما هو كلام هؤلاء المنافقات؟ من لديه كلام فليأت إلى هنا!
ثم بدأ يطرق باب العنبر بعنف، ودخل وهو يواصل صراخه. ذهب “حلوايي” إلى أبواب جميع الغرف وكرر الكلام نفسه. لكن لم تلتفت إليه أية واحدة منا.
لا أتذكر ما الذي حدث قبل ذلك، لأننا كنا دائمًا نطرق الأبواب ونطرح مطالبنا، وهي الحد الأدنى لحقوق أي سجينة. وعندما لم يسمع “حلوايي” أي جواب من أحد، قال: حسنًا جدًا، إذا لم يكن لديكن كلام، فنحن لدينا كلام معكن. ثم أمر الجميع بالخروج من الغرف. فخرجنا جميعًا من العنبر.
كان فصل الشتاء، وكان الطقس شديد البرودة. وكان إيفين، الواقعة عند سفوح جبال شميران، أبرد من طهران بعدة درجات.
لم تكن الأخوات يملكن أحذية، فاضطرت كل واحدة منهن إلى ارتداء زوج من النعال، وبعضهن لم يجدن سوى نعلين ممزقين بالكاد يثبتان في القدم. ثم انطلقنا جميعًا في الطريق.
لم نكن نعرف إلى أين نذهب. أخرجونا وأعيننا معصوبة. وبينما كنا نسير، شعرنا بأننا عند الجدار خلف العنبر 209. ومن هناك بدأ طريق صاعد، فصعدنا ذلك المنحدر جميعًا الواحدة خلف الأخرى في صف، ووصلنا إلى أرض مستوية في أعلى التلة.
كان كل شيء هناك متجمدًا، وكان البرد القارس ينفذ حتى إلى أعماق العظام. كنا جميعًا نرتجف بشدة، لأننا لم نكن نملك لا ملابس دافئة ولا حتى أحذية عادية.
عندما وصلنا إلى الأعلى، فصلونا واحدة واحدة عن بعضنا. لم يقولوا شيئًا عن سبب إحضارنا إلى هنا، ولا ماذا يريدون منا.
نظرت من تحت عصابة العين، فرأيت أن الأخوات كلهن واقفات على مسافة متر أو مترين من بعضهن. وكنت أرى أحيانًا أقدام رجل أو رجلين يمران بجانبنا، وكانوا يراقبوننا ويسيطرون علينا في صمت.
نظرت إلى ما تحت قدمي. كانت الأرض مغطاة بفوارغ طلقات الكلاشينكوف والمسدسات. أثار ذلك فضولي، وأخذت أتساءل: أين نحن؟ ولماذا جاؤوا بنا إلى هنا؟
تفقدت ما حولي، وفي لحظة انحنيت والتقطت عدة فوارغ للطلقات، وأبقيتها في قبضتي. كنت قد اكتشفت سر هذا المكان.
كان هذا هو التل المعروف في إيفين، وكانت هذه الفوارغ مرتبطة بليالي الإعدام، حيث كانوا يحضرون الإخوة والأخوات في مجموعات من 100 و200 شخص، ويطلقون عليهم الرصاص.
دققت النظر أكثر، فأصبحت أميز بقعًا من الدم على الأرض المتجمدة، وبين ثنايا الثلوج.

لمست فوارغ الطلقات. فعادت إلى ذاكرتي “عطية محرر خوانساري”، و”طاهرة محرر خوانساري“، و”فاطمة عاصف”، و”زهرا نظري”، و”إلهه عروجي” التي كانت حاملًا عند استشهادها، و”فرح ترابي”، و”زهرا شبزنده دار”، و”هما رادمنش”، و”أعظم طاقدره”، و”فاطمة وزهرا صميمي مطلق”، و”هلن أرفعي”، و”راضية آل طاهر”، و”قدسي محمدي”، و”شورانكيز طباطبايي )الطبيبة معصومة كريميان)” ، و”مهدخت محمدي زاده”، و… كانت صور الشهيدات تمر بلا توقف أمام عيني.
تذكرت “سيمين هجبر“. يا لها من امرأة شجاعة…! وتذكرت “سيبا شريف بور”، التي حتى آخر يوم لم تفصح عن اسمها أمام المحققين. كانت “سيبا” قد تعرضت لتعذيب شديد إلى درجة أن ملامح وجهها تغيرت بالكامل. كانت “سيبا” تحمل شهادة البكالوريوس، وكانت مدرسّة في مدرسة ثانوية، وكانت من أعز صديقاتي، وفي تلك اللحظات كنت أتذكرها.
في أحد أيام شهر سبتمبر/أيلول 1982 في إيفين، جاءتني إحدى الأخوات، وكنت أعرفها من قبل وقد عملنا معًا، وقالت لي: أعظم، رأيت امرأة كانت تشبه “سيبا”. وما إن سمعت اسم “سيبا”، حتى انتفض شيء في داخلي، فسألتها: أين رأيتها؟ قالت، وعيناها تذرفان الدموع وصوتها مخنوق بالبكاء: عندما كنت قد ذهبت إلى الاستجواب، كانوا قد أخذوني إلى فوق رأسها، وكانوا يريدون مني أن أتعرف عليها.
كانت “سيبا” صديقتي، وقد عملت معها لمدة ثلاث سنوات في النشاطات السياسية قبل 20 يونيو 1981. وفي منتصف عام 1981، كنت قد سمعت أن “سيبا” قد اعتقلت، لكنني لم أجد لها أي أثر في السجن. كنت أظن أنهم قد أعدموها.
في ذلك اليوم نفسه، بعد الغداء، حوالي الساعة الثانية، انطلق مكبر الصوت، وبدأوا ينادون الأسماء للاستجواب. لم أستطع أن أفهم من أين اشتبهوا بها حتى أخذوا هذه الأخت لكي تتعرف عليها. ففي حال كانوا قد شكوا في أنها “سيبا شريفبور”، كان ينبغي أن ينادوني أنا أيضًا لكي أتعرف عليها.
كانت الأسماء تنادى الواحد تلو الآخر، وكنت أعدهم واحدًا واحدًا. وبعد الاسم التاسع عشر، حدث توقف قصير، ثم قالوا: أعظم حاج حيدري!
وجدت نفسي أنهض وأركض دون أن أشعر. وعندما خرجنا من باب العنبر، أخذوني إلى صف متهمي 209. كان صمت ثقيل قد أحاط بي. كان قلبي يغلي كالمرجل، وكنت أقول في داخلي: يا إلهي، أين كانت “سيبا” طوال هذا الوقت، حتى إنهم الآن فقط يأخذون السجينات إلى فوق رأسها لكي يتعرفن عليها؟ وبينما كنت في هذه الحال، أمسك رجل فجأة بطرف شادوري، وقال في أذني: قبل أن تذهبي، اعلمي أنه عندما تصلين إلى هناك سيصيبك الاختناق! ستصمتين! لن تتكلمي! وكل ما أقوله لك ستفعلينه هناك!
بينما كان قلبي يخفق بشدة، وصلت إلى باب إحدى الزنازين. أخذني الرجل المحقق نفسه، إلى داخل الزنزانة وأغلق الباب من الداخل. سحب عصابة عيني من خلف رأسي وقال: لا تنسي ما قلته لك! إذا أخطأت ولو بحركة واحدة، فسأضعك أنت أيضًا إلى جانب صديقتك العزيزة! هي نفسها أعطتهم اسمك!
انظري كم هو مثير للسخرية أن تكون هي رمزًا للمقاومة بالنسبة لك؟! انظري ماذا ستكون عاقبتكن أنتن؟! أنقذي نفسك!
كان الجلادون يكررون هذه الكلمات السخيفة والعبارات المبتذلة الواحد تلو الآخر لتحطيم السجناء ولإظهار أن كل شيء فارغ ولا جدوى منه. والغريب أنهم كانوا، من أجل كسر الآخرين، يذكرون أسماء أكثر الأشخاص صمودًا ومقاومة.
ورغم أنني كنت قد تهيأت مسبقًا لرؤية “سيبا”، فإنني كلما حدقت فيها لم أستطع التعرف على وجهها. ولم يبق في وجهها أي موضع سليم يمكن أن يدلني عليها. لكن شفتيها وحدهما، بابتسامتهما التي لم تفارقها يومًا، جعلتاني أتيقن وأزداد إصرارًا.
كان المحقق يواصل الضغط علي بلا توقف، يضربني ويشتمني لكي أقول من تكون هي؟ لكنني كنت أقول: لا أعرفها. ومن خلال صرخات المحقق العاجزة، بعدما اضطر إلى إحضار السجينات أمامها، فهمت أن “سيبا” لم تكن قد أعطتهم حتى اسمها. ثم فهمت أنهم، بما أنهم كانوا يريدون إعدامها، كانوا يصرون على التعرف عليها لكي يحصلوا أيضًا على معلوماتها.
كنت أنظر إلى حالة عينيها وشفتيها لأتأكد. وعندما وقفت إلى جانبها، هوت فجأة ضربة الكابل على رأسي كالمطرقة، وصرخ المحقق: لماذا ذهبت إلى هناك؟ ألم أقل لك ألا تتحركي من مكانك؟ قلت: ألم تقل أنت بنفسك أنظر لأرى من يكون هذا الشخص؟ حسنًا، تقدمت لكي أراها!
كان هدفي أن أرى هل ستعطيني هي بنفسها أي إشارة أم لا. وفجأة تحركت يدها ولامست سروالي، لكنها لم تكن تملك القدرة على الإمساك به. وقفت بضع دقائق، وكانت الغصة تخنقني في داخلي، لكنني قلت: لا أعرفها، خذوني!
قال المحقق: ستندمين لأنك تقولين إنني لا أعرفها! هي نفسها قالت إنها كانت معك… مرة أخرى نفس العبارات المكررة التي كان يرددها المحققون… التزمت الصمت حتى نقلوني إلى العنبر.
















