الفقر والعوز.. من الهامش إلى قلب المجتمع
يُذكّر اليوم العالمي للغذاء واليوم العالمي للقضاء على الفقر في العديد من الدول بالتزامات الحكومات بتوفير الحد الأدنى من متطلبات الحياة؛ لكن في إيران اليوم، لا تُذكّر هاتان المناسبتان بالأمل في تحسين معيشة المواطنين بقدر ما تعكسان واقعًا صاخبًا جراء مصادرة حق الشعب في الحكم طيلة 48 عامًا من قبل الاستبداد الوحشي لـ “ولاية الفقيه”، ونهب كافة ثروات هذا الشعب للاستمرار في الديكتاتورية.
في إيران، لم يعد الفقر وسوء التغذية مجرد قضية محصورة في فئات محدودة كسكّان العشوائيات أو العاطلين عن العمل أو حتى العمال والقرويين؛ بل إنه نتيجة للسياسات المدمرة لهذا النظام، بات المعلمون والممرضون اليوم فقراء بالكامل، وحتى الأطباء والمهندسون لم يعودوا قادرين على تدبير أمور معيشتهم دون قلق من النفقات الأساسية اليومية.
لقد اتسع غلاء المواد الغذائية وإيجارات المنازل والعلاج والتعليم لدرجة أنه طال شريحة واسعة من الطبقة العاملة والمتقاعدين والقرويين والنساء المعيلات للأسر والعاملين بأكثر من وظيفة، ودفع بأغلب فئات الطبقة الوسطى إلى براثن الفقر.
في أتون هذه الأزمة، تُعدّ النساء اللائي يعانين من تمييز جنسي ممنهج ومؤسس في القانون، والأطفال، الحلقة الأكثر هشاشة؛ أطفال تقع تنميتهم الجسدية والذهنية ضحية للسياسات الجائرة والموائد الفارغة، ونساء يتحملن عبء العمل غير المستقر والزهيد الأجر، إلى جانب عبء الرعاية المنزلية غير المدفوعة الأجر.

اعترافات رسمية باتساع نطاق سوء التغذية
يمكن لمس مؤشرات هذا الوضع حتى في التقارير الرسمية والحكومية. فقد كشفت وكالة أنباء “مهر” في 3 أغسطس/آب 2026، نقلاً عن معاون الشؤون الرفاهية والاقتصادية بوزارة التعاون والعمل والرفاه الاجتماعي للنظام، عن وجود أكثر من 262 ألف طفل تراوح أعمارهم بين 5 و59 شهرًا يعانون من سوء التغذية. كما أعلن موقع “دنياي اقتصاد” في 9 يوليو/تموز 2026 أن عدد الأطفال دون سن الخامسة المصابين بسوء التغذية تجاوز 180 ألف طفل.
وهذه الأرقام تخص فقط أولئك الذين تم تحديدهم في إطار المخططات الحكومية، بينما لا تدخل الملايين من أطفال العشوائيات والقرويين ومجهولي الهوية إطلاقًا ضمن برامج الفرز الحكومية. ومع ذلك، فإن هذه الأرقام الناقصة كافية لإدراك أن سوء تغذية الأطفال لم يعد تحذيرًا هامشيًا.
كما يعكس اتساع نطاق “البطاقة التموينية” 1صورة مماثلة؛ حيث أفادت صحيفة “إيران أونلاين” في 18 أغسطس/آب 2026 بأن عدد المشمولين بالبطاقة التموينية ارتفع من نحو 72 مليونا و500 ألف شخص إلى نحو 87 مليونا و500 ألف شخص؛ وهو رقم يوضح عمليًا أن الحاجة إلى الدعم المالي لتأمين الحد الأدنى من الغذاء لم تعد تقتصر على شرائح فقيرة معدودة، بل تحولت إلى حاجة شاملة للمجتمع تقريبًا.
وتكشف مثل هذه الاعترافات عن الفجوة التي تتسع يومًا بعد يوم بين دخل المواطنين في إيران وتكلفة البقاء على قيد الحياة. وهذه الإجراءات ليست سوى تقديم صدقات بالريال للشعب الإيراني من حصيلة السرقات الضخمة بالدولار التي تُنهب من ثروات هذا الشعب بمختلف الأشكال.
الغلاء وإلغاء وجبات الطعام وتطبيع الجوع
كتبت صحيفة “آرمان امروز” في 23 سبتمبر/أيلول 2026 أن إيران تحتل المرتبة 90 من بين 167 دولة في مؤشر الأمن الغذائي.
وأورد موقع “توسعه إيراني” في 22 سبتمبر/أيلول 2026 أن التضخم السنوي (نقطة إلى نقطة) لمجموعة المواد الغذائية والمشروبات بلغ في شهر أغسطس/آب من العام الحالي 127.5 بالمائة. وتشكل تكلفة الوجبة الخفيفة لطالب مدرسي نحو 24 بالمائة من الدخل الشهري للعامل.
وكتب موقع “تابناك” في 5 يونيو/حزيران 2026 حول تفريغ جيوب وموائد المواطنين يوميًا لمجرد القفزات في أسعار السلع الأساسية استنادًا إلى جداول مركز الإحصاء الحكومي: ارتفع سعر البيض في شهر واحد بنسبة 45.2 بالمائة، والدواجن بنسبة 25 بالمائة، والزيت النباتي الصلب بنسبة 16.7 بالمائة، والزيت النباتي السائل بنسبة 15.5 بالمائة. وفي التقرير نفسه، أُعلن أن التضخم (نقطة إلى نقطة) للزيت النباتي الصلب بلغ 431.3 بالمائة، وللبيض 342.9 بالمائة، وللدواجن 287.4 بالمائة.
وبات حذف اللحوم والدواجن والفواكه والألبان من مائدة العديد من الأسر تجربة يومية.
وفي تقرير لـ “توسعه إيراني” نقله موقع “فرارو” بتاريخ 14 سبتمبر/أيلول 2026، وردت روايات مؤلمة من أحياء مختاري وشوش وبوابة غار في تهران: الشراء بالآجل للخبز، والطوابير للحصول على مخلفات الدواجن، وتراجع مبيعات الألبان، وعجز أصحاب المحال عن الاستمرار في البيع بالآجل. هذه ليست علامات لمجتمع على وشك مجاعة كلاسيكية؛ بل هي علامات لتطبيع الجوع، عندما يكون الغذاء متوفرًا في السوق لكنه غير متاح للشراء بالنسبة لملايين البشر.
وأعلن تقرير لصحيفة “سياست روز” بعنوان “طهران؛ حيث لم يعد العمل ضمانًا للنجاة من الفقر” بتاريخ 10 سبتمبر/أيلول 2026، أن خط الفقر الإجمالي للبلاد يبلغ نحو 32 مليون تومان، وخط الفقر في طهران 62.5 مليون تومان، بينما ذُكر أن الحد الأدنى لراتب العامل المتزوج يبلغ نحو 24 مليون تومان.
كما كتبت وكالة “إيلنا” في تقاريرها العمالية لعامي 2025 و2026 عن الفجوة الحادة بين الأجور وسلة المعيشة؛ من سلة معيشة بلغت 71 مليونا و300 ألف تومان في مايو/أيار 2026 إلى سلة معيشة وصلت في أغسطس/آب من العام نفسه إلى 90 مليون تومان. في مثل هذا الوضع، لم يعد العمل يعني الخروج من الفقر. فالكثير من الأسر تحاول فقط إنهاء الشهر عبر العمل في وظيفة ثانية، أو ساعات عمل إضافية، أو الاستدانة، أو بيع الممتلكات، أو الاستغناء عن الغذاء والعلاج والتعليم.
وكتب موقع “سياست روز” الحكومي في سبتمبر/أيلول 2026: القصة ليست مجرد رقم راتب؛ المسألة هي القدرة الشرائية لملايين الأسر. لقد تم تحديد الحد الأدنى لأجور العمال في عام 2026 بزيادة قدرها 60 بالمائة، ولكن في الوقت نفسه أُعلن أن التضخم (نقطة إلى نقطة) لشهر أغسطس/آب يبلغ نحو 89 بالمائة، وتجاوز تضخم الأغذية والمشروبات 127 بالمائة.
بالنسبة لامرأة معيلة لأسرتها، تعاني من البطالة أو تعمل في شغل غير رسمي، وتضطر يوميًا لمواجهة أسعار اللحوم والدواجن والأرز والألبان وإيجار المنزل والدواء والنقل وتعليم أطفالها، فإن الأمر يتجاوز بكثير الحسابات الورقية.

النساء والأطفال.. ضحايا الفقر
في هذه الأزمة، تُعدّ النساء ضحايا للفقر وركيزة خفية للبقاء في آن واحد. أورد موقع “فرهيختغان أونلاين” في تقرير بعنوان “معدل المشاركة الاقتصادية للنساء يبلغ 13.4 بالمائة فقط” أن معدل بطالة النساء يبلغ نحو 15 بالمائة، وهو ما يعادل ضعف معدل الرجال تقريبًا، وأن 64 بالمائة من اشتغال النساء في عام 2025 تركز في قطاع الخدمات.
وفي 27 أغسطس/آب 2026، أظهر موقع “اقتصاد 24” في تقرير عن العاملات الموسميات في سقز وبوكان كيف تضطر النساء لتعويض النقص في دخل الأسرة عبر اللجوء إلى أعمال شاقة وغير مستقرة وبلا ضمانات؛ أعمال تستمر بنوبة ثانية غير مدفوعة الأجر داخل المنزل.
كما تظهر بيانات “مركز بيانات النساء التابع للأمم المتحدة” الخاصة بإيران، والمحدثة عام 2025، أن النساء والفتيات فوق سن 15 عامًا يقضين 22.5 بالمائة من وقتهن في الرعاية والعمل المنزلي غير المدفوع الأجر، بينما تبلغ هذه النسبة لدى الرجال 4.5 بالمائة فقط.
وعليه، فإن الفقر بالنسبة للنساء لا يعني مجرد انخفاض الدخل؛ بل هو إنهاك للجسد، وإقصاء من سوق العمل المستقر، وتبعية اقتصادية، ومسؤولية رعاية، وقلق طاقتها مستنفدة على مستقبل الأطفال، وغياب لمعاناتهن عن الإحصاءات الرسمية.
وبالنسبة للأطفال، فإن فقر اليوم قد يتحول إلى حرمان الغد. فسوء التغذية في السنوات الأولى من العمر قد يؤدي إلى ضرر بدني وذهني، وإعاقة، واستمرار لدورة الفقر عبر الأجيال.
وسلط تقرير لصحيفة “هموطن” في 2 سبتمبر/أيلول 2026 الضوء على ارتباط الفقر المعيشي بالتعليم، ونقل عن تقارير محلية أن عدد المنقطعين عن الدراسة بلغ 919 ألفًا و855 شخصًا. وعندما تقع العائلة بين فكي إيجار المنزل والخبز والدواء وملابس المدرسة والرسوم المدرسية الخفية، لا يُحرم الطفل من وجبة طعام فحسب؛ بل يُحرم من مستقبله أيضًا. ولا سيما الفتيات اللاتي يُعرّفن في القوانين الحاكمة في كل مكان بأنهن تابعات للرجال، ويقعن من هذا المنظور في الصدارة بين المحرومين من التعليم.

حصة السلطة من الميزانية ومائدة الشعب
أمام هذه المائدة المنكمشة، يظل السؤال الأساسي هو السؤال عن أولويات الحكم. فالنظام الذي يتحصن خلف البطاقات التموينية والسلال الغذائية المجانية بدلاً من خلق فرص العمل وإيجاد التوازن بين الدخل وسلة المعيشة، ينفق ثروات البلاد على البرامج الصاروخية والنووية، وتوسيع النفوذ الإقليمي، ودعم القوات البديلة.
وفي هيكل الميزانية، تحصل المؤسسات العسكرية والأمنية باستمرار على حصة عالية من الموارد العامة، بينما تتخلف الأجور والمعاشات التقاعدية والبطاقات التموينية والتعليم والعلاج ودعم النساء والأطفال عن التضخم. وهنا تتضخم ميزانية السلطة وتنكمش ميزانية الحياة؛ فتتوسع الصواريخ والمشاريع الأمنية، بينما تبتعد ألبان وأجبان وبيض وخبز ولحوم وأدوية ودفاتر المدرسة عن متناول ملايين العائلات.
ويتضح من ذلك أن الفقر والجوع في إيران اليوم ليسا حادثًا طبيعيًا، بل هما نتيجة لمجموعة من خيارات سياسية واقتصادية وميزانياتية واعية. وطالما أن ثروات البلاد تُنفق على استعراض القوة والقمع والمشاريع النووية والصاروخية والشبكات البديلة بدلاً من حياة الشعب، فلن تستطيع أي بطاقة تموينية إعادة الأمن الغذائي. إن الحق في الغذاء، والحق في نمو الطفل، والحق في الحياة الكريمة للنساء والرجال، والحق في التحرر من الفقر – وخاصة في بلد غني مثل إيران – هي أوجب الواجبات وأحد أهم الشروط الأساسية لمشروعية الحكم.
لا وجود لأي حكم غير مشروع يدوم في العالم. وتاريخ انتهاء الصلاحية للنظام الكهنوتي الذي سافر من القرون الوسطى إلى عصر الاتصالات قد انقضى منذ لحظة مجيئها إلى السلطة. لكن نساء إيران وشبابها الأبطال، الذين تحظى شجاعتهم وإرادتهم في هيئة وحدات المقاومة والمنتفضين صانعي الانتفاضات بتقدير جميع شعوب العالم اليوم، سيطوون قريبًا هذه الصفحة من التاريخ أيضًا.
…………………………………
[1] البطاقة التموينية الإلكترونية: رصيد شراء شهري لتأمين جزء من السلع الأساسية للأسر؛ حيث يُخصص في المشروع الحالي مليون تومان لكل فرد شهريًا. ويُستخدم هذا الرصيد لشراء مواد مثل الأرز، والزيت، والدواجن، واللحوم الحمراء، والبيض، والحليب، واللبن، والجبن، البقوليات، والمعكرونة، والسكر، وفي بعض المراحل الفواكه والخضروات. على سبيل المثال، فإن رصيد مليون تومان من البطاقة التموينية، وبأسعار السوق الحالية، يغطي نحو 55 بيضة فقط، لا أكثر.









