أمهات، قاصرات متزوجات وضحايا؛ إعدام 54 امرأة في فترة 12 شهرًا
تزامناً مع اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام، فإن إلقاء نظرة على وضع إعدام النساء في إيران يقدم صورة مروعة عن أبعاد العنف الهيكلي ضد المرأة. واستناداً إلى المعلومات المسجلة من قبل لجنة المرأة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية، تم إعدام ما لا يقل عن 29 امرأة في سجون إيران منذ بداية عام 2026. وفي فترة اثني عشر شهراً، من أكتوبر 2025 إلى أكتوبر 2026، بلغعدد النساء ضحايا الإعدام في إيران ما لا يقل عن 54 امرأة؛ وهو رقم صادم يُظهر استمرار استخدام عقوبة الإعدام ضد النساء.
تم تسجيل هذه الإحصائيات في ظروف اتسمت، عقب الانتفاضة الوطنية في يناير 2026، بقطع واسع النطاق للإنترنت، وقيود اتصال شديدة، ورقابة واسعة، مما جعل نقل الأخبار من داخل إيران إلى خارج البلاد يواجه صعوبات بالغة وفي كثير من الأحيان أصبح مستحيلاً عملياً.
ومن جهة أخرى، فإن جزءاً ملحوظاً من عمليات الإعدام لا تعلنه أبداً المراجع القضائية ووسائل إعلام النظام.
يسعى النظام من جهة، عبر توسيع نطاق الإعدامات، إلى خلق الرعب، وترهيب المجتمع، ومنع اتساع الاحتجاجات الشعبية، ومن جهة أخرى، ونظراً للخوف من ردود الفعل الداخلية والتداعيات الدولية، فإنه ينفذ العديد من هذه الإعدامات سرا وبدون إعلام رسمي.
لذا، يجب اعتبار الإحصائيات المتاحة الحد الأدنى من الإعدامات المسجلة والموثقة. إن العدد الحقيقي لإعدام النساء في إيران هو بلا شك أعلى بكثير مما سمحت الرقابة والتستر الحكومي وأشهر من قطع الاتصالات بتسجيله ونشره.
الإعدام؛ أداة القمع في ظروف الأزمة
في عام واجهت فيه إيران مجتمعاً ملتهباً خصوصاً بعد انتفاضة يناير 2026 والأزمات السياسية والأمنية، ظل الإعدام أحد أهم أدوات القمع.
إن تصاعد أعداد الإعدامات في مثل هذه الظروف لا يعد سياسة عقابية فحسب، بل هو جزء من آلية بث الرعب وإخماد السخط الاجتماعي.
كما أثبتت تجربة العقود الماضية أن النظام، كلما واجه أزمات داخلية عميقة، زاد من استخدام عقوبة الإعدام وتشديد القمع.
منذ تولي مسعود پزشکیان السلطة، أعدم نظام الملالي أكثر من 4100 سجين، بينهم 117 امرأة. ومن يناير إلى أكتوبر 2026، أُرسل ما لا يقل عن 1150 سجيناً إلى أعواد المشانق في سجون مختلف أنحاء إيران.
أعلنت منظمة العفو الدولية في تقريرها السنوي أن الدكتاتورية الحاكمة في إيران، بتنفيذ ما لا يقل عن 2159 حالة إعدام في عام 2025، حطمت الرقم القياسي لأعلى عدد إعدامات مسجل في العالم. وبحسب المنظمة، يعد هذا الرقم أعلى مستوى لإعدام سجل في العالم منذ عام 1981 حتى الآن.
وحسب الإحصائيات المنشورة، يحتل نظام الملالي الحاكم في إيران المرتبة الأولى عالمياً من حيث عدد إعدامات النساء.

من زواج الأطفال إلى أعواد المشانق
تظهر دراسة ملفات النساء ضحايا الإعدام في عام 2026 أن العديد منهن كن قد وقعن، قبل الوصول إلى أعواد المشانق، ضحايا لدائرة من التمييز والعنف والظلم. فبينهن نساء أُرغمن في الطفولة أو المراهقة على زيجات قسرية، وتحملن لسنوات العنف المنزلي وحُرمن من أبسط الحماية القانونية.
بالنسبة للكثير من هؤلاء النساء، لم يبدأ طريق الوصول إلى حبل المشنقة يوم صدور الحكم؛ بل بدأ قبل سنوات عديدة، حين حُرمن كأطفال-زوجات أو ضحايا عنف من حق الاختيار والحماية والتمتع بالعدالة.
كانت إحدى أكثر الحالات صدمة هي مرضیه نیری. كانت تبلغ من العمر 17 عاماً فقط عندما أُكرهت تحت ضغط العائلة على الزواج من رجل لم تكن تحبه.
كان زوجها يتعاطى المخدرات والمشروبات الكحولية باستمرار داخل المنزل، وشهدت مرضیه لاحقاً في المحكمة أنها تعرضت مراراً للتحرش والأذى من قبل أصدقاء زوجها.
كانت مرضیه تبلغ من العمر 18 عاماً عندما حاول زوجها، برفقة أحد شركائه وبعد تعاطي المشروبات الكحولية، الاعتداء عليها. وردت مرضیه للدفاع عن نفسها ومنع ذلك الاعتداء بسكين المطبخ؛ وهو الفعل الذي أدى إلى قتل زوجها.
وأكدت مرضیه مراراً في المحكمة أنها قامت بذلك دفاعاً عن نفسها وشرفها فقط وأنها كانت ضحية لسنوات من العنف والتهديد. ومع ذلك، لم تقبل المحكمة دفاعها المشروع وتم تنفيذ حكم الإعدام عليها نهائياً.
حالة أخرى كانت حنیفه آوندی التي أُكرهت في سن السابعة عشرة على زواج قسري تحت ضغط الأسرة وعاشت لسنوات مع مشاكل نفسية وعصبية ناجمة عن ذلك.
كما أن آرزو رستاد، التي أُرسلت إلى حبل المشنقة في سن الثالثة والعشرين، أجبرت في مراهقتها على الزواج من رجل أكبر منها بكثير، ووفقاً لمصادر مطلعة، تعرضت مراراً لعنف منزلي شديد.
تظهر هذه الملفات أن العديد من النساء ضحايا الإعدام في إيران لسن ضحايا لعقوبة الموت فحسب، بل هن ضحايا بنية تعيد إنتاج زواج الأطفال، والزواج القسري، والعنف ضد المرأة، والحرمان من الحماية القضائية الفعالة.
الفقر لا يُعدم؛ بل يُعدم الفقراء وضحايا الظلم
شريحة أخرى من ضحايا إعدام النساء في إيران كن نساء أُدين في قضايا تتعلق بالمخدرات.
إلا أن تفحص تفاصيل هذه الملفات يظهر أن العديد من هؤلاء النساء كن يعشن في ظروف من الفقر الشديد، والتهميش، والآفات الاجتماعية.
في المقابل، تواصل شبكات تهريب المخدرات المنظمة – التي تخضع خيوطها لسيطرة قوات الحرس وتتمتع بموارد مالية ونفوذ واسع – تمتعها بالحصانة.
ملفات سهیلا عزیزی، کیمیا خانی، مینا نصیربور، ستایش محمد بور، رضوان اصغرزاده، هي أمثلة لنساء غرقت حياتهن في دائرة الفقر والحرمان.
ومن بين ملفات عام 2026، يحظى ملف افسانه زندآبادی بمكانة خاصة. لم تكن افسانه زندآبادی تتجاوز 22 عاماً من العمر. فقد تعرضت منذ طفولتها للتحرش والتهديد من قبل زوج أمها، وحُرمت من التعليم وتعرضت للاغتصاب مراراً بحسب قولها. وفي النهاية، أُجبرت بفعل زوج الأم نفسه على دخول دائرة تهريب المخدرات وأُعدمت في النهاية. ولم يواجه زوج الأم أي عواقب قضائية.
يطرح هذا الواقع سؤالاً أساسياً: لماذا تُرسل النساء الفقيرات والمستضعفات إلى أعواد المشانق، بينما لا يُقدم الفاعلون الرئيسيون والمستفيدون من السوق الهائل للمخدرات، الذين ينتمون غالباً إلى عناصر شبكة قوات الحرس، إلى العدالة؟

ضحايا كن أمهات
كان من بين النساء ضحايا الإعدام ما لا يقل عن سبع أمهات.
طیبه حکمت، اسما زارعی، ستایش محمد بور، اعظم كرامی، مهتاب شیرمحمدی، زهرا عزیزبور، و رضوان اصغرزاده كن من بين النساء اللاتي تُيِّم أطفالهن إثر تنفيذ حكم الإعدام.
في كثير من الحالات، كانت الأبعاد الإنسانية لهذه الكارثة صادمة بشكل خاص.
اسما زارعی، أم في الثامنة والعشرين من عمرها، وضعت طفلها خلال فترة الاعتقال، وعند إعدامها كان طفلها يبلغ من العمر عامين فقط.
كما أُعدمت ستایش محمد بور بينما كان طفلاها البالغآن من العمر 8 و11 عاماً ينتظران عودة أمهما. فضلاً عن ذلك، فإن رضوان اصغرزاده، أم لستة أطفال تبلغ من العمر 45 عاماً، أُعدمت في ظروف كانت فيها مدرجة مسبقاً في قائمة السجناء المؤهلين للعفو، إلا أن اسمها حُذف من تلك القائمة.
إن إعدام امرأة لا يمثل نهاية حياة فرد واحد فحسب؛ بل تشمل تداعياته المدمرة الجيل القادم أيضاً.
حركة تقف بوجه أعواد المشانق من قلب السجون
في مواجهة موجة الإعدامات المتصاعدة، تشكلت واحدة من أهم مظاهر المقاومة في إيران من داخل السجون وهي الآن في عامها الثالث من النشاط.
لقد انطلقت حملة “ثلاثاءات لا للإعدام” من رحم ذات السجون التي بناها النظام لإخماد أصوات المعارضين.
إن السجناء المشاركين، ومن بينهم عدد ملحوظ من السجينات السياسيات، يطالبون كل أسبوع بالإضراب عن الطعام بوقف الإعدامات ويوجهون احتجاجهم نحو أداة القمع الرئيسية للنظام أي عقوبة الموت.
لم تتوقف هذه الحملة تحت الضغط والتهديد والترهيب فحسب، بل اتسعت باستمرار.
إذا كان الإعدام هو أداة النظام الرئيسية لبث الرعب في المجتمع، فيمكن اعتبار حملة “ثلاثاءات لا للإعدام” الحركة الاحتجاجية الأكثر استدامة وتنظيماً ضد هذه السياسة في السنوات الأخيرة؛ وهي حركة لم تنبثق في الفضاء الحر، بل من خلف جدران السجون ومن رحم أشد أشكال القمع قسوة.
يجب ألا يصمت العالم إزاء إعدام النساء في إيران
يمثل اليوم العالمي لمناهضة عقوبة الإعدام فرصة لكي يولي المجتمع الدولي اهتمامه مرة أخرى لوضع إعدام النساء في إيران.
تطالب لجنة المرأة للمجلس الوطني للمقاومة الإيرانية الأمم المتحدة والأجهزة المعنية، لا سيما المقررة الخاصة المعنية بحالة حقوق الإنسان في إيران، ومقررة العنف ضد المرأة، وعموم الهيئات المدافعة عن حقوق الإنسان وحقوق المرأة، بالتحرك الفوري لمنع إعدام السجناء المحكوم عليهم بالإعدام، ولا سيما السجينات.
إن كل يوم تأخير في هذا الأمر يكلف أرواح عشرات البشر.
















