في 8 سبتمبر 1978، الذي أُطلق عليه لاحقًا اسم “الجمعة السوداء”، شهدت إيران أحد أكثر أيامها دموية وتأثيرًا في تاريخها الحديث. منذ الساعات الأولى لهذا اليوم، وببالرغم من إعلان الأحكام العرفية، تدفق سكان طهران، بقيادة نساء بطلات في طليعة الصفوف، إلى ساحة جالة (الذي أُعيدت تسميته بعد الثورة إلى ميدان الشهداء)، مطالبين بالحرية والعدالة وإنهاء الاستبداد. كانت العديد من النساء يصطحبن أطفالهن الصغار. لكن جيش نظام الشاه أطلق النار على هذه المظاهرة السلمية، فأردى آلاف المتظاهرين، من بينهم مئات النساء. أثار هذا اليوم الدامي موجة من الغضب والحزن والتضامن في جميع أنحاء البلاد.
كان حضور النساء في تلك التظاهرة لافتًا وشجاعًا. لم يقتصر دورهن على المشاركة، بل كُنَّ منظّمات، يدعون الشعب إلى المقاومة. أظهرت النساء، اللواتي كنّ قد شاركن في احتجاجات الأشهر السابقة، أنهن لسن مجرد هامشيات أو داعمات، بل جزءٌ أصيل من جسم الانتفاضة ضد نظام الشاه.
قبل ذلك، في 6 سبتمبر، تزامنًا مع عيد الفطر، انطلقت أول مظاهرة ضخمة ضد نظام الشاه في ”تلال قيطرية“ شمال طهران، شاركت فيها آلاف النساء لأول مرة، حيث اجتاحت الجموع شوارع طهران كالسيل الجارف.
وفي 7 سبتمبر، رغم حظر التظاهرات، تشكلت مظاهرة أكبر، اجتاحت مساحات أوسع من طهران، وارتفعت شعارات «الطريق الوحيد للتحرير هو الحرب المسلحة» و«الطريق الوحيد للتحرير هو طريق منظمة مجاهدي خلق» صدحت بقوة أكبر، وتحول شعار «الموت للشاه» إلى ذروة الاحتجاجات.

النساء والأمهات: صوت ساحة جالة الذي لا يُنسى
لكن الأهم كان الموجة التي أعقبت 8 سبتمبر. لم يكن هذا اليوم نقطة دموية فحسب، بل كان لحظة ولادة الحركة ونقطة تحول في الانتفاضة ضد نظام الشاه. تقدمت النساء والأمهات في ساحة جالة، وحملن راية الحقيقة والعدالة من المنازل إلى الشوارع، متجاوزات الخوف والصمت ليصبحن رمزًا للمقاومة. رغم القمع الوحشي، أصبحت صفوف الحركة أكثر تماسكًا وتطرفًا، وسرعان ما بدأت الإضرابات المعطلة، وازدادت مشاركة مختلف فئات الشعب، بما في ذلك النساء.
بعد أشهر، ومع المسيرات المليونية في تاسوعا وعاشوراء، بلغت الانتفاضة ضد نظام الشاه ذروتها. امتزجت صفوف النساء والرجال في هتافات “الموت للشاه” المنسجمة، التي اجتاحت فضاء الوطن.
حاول الشاه، بعد 8 سبتمبر الدامي، كبت صوت الشعب بالقمع والرقابة ونشر الرعب، لكن الأمهات والأخوات وزوجات الشهداء والسجناء السياسيين كسرن هذا الصمت القسري. بحضورهن في تشييع الجنائز، وزيارة العائلات الثكلى، وحتى الوقوف أمام الجنود المسلحين، بعثن برسالة واضحة: دماء أبنائهن لن تذهب هدرًا. لم يكتفين بالحداد، بل نشرن الوعي وحافظن على ذكرى الشهداء ومثلهم. تحولت منازلهن إلى ملتقيات للمقاومين ومراكز لتنظيم الاحتجاجات. وتحت التهديد والاستجواب، نقلن النشرات ورسائل المقاومة سرًا.

عائلات السجناء السياسيين: رواد الكشف عن الحقائق
استخدم نظام الشاه جهاز “السافاك” لاعتقال آلاف النشطاء السياسيين والطلاب، لكن أمهات وزوجات وأخوات السجناء، من مختلف الطبقات الاجتماعية، شكّلن إحدى أقوى شبكات المقاومة. كنّ يتوجهن بلا كلل إلى السجون والمحاكم والمؤسسات الحكومية، يسألن عن أحبائهن ويجمعن الأخبار عنهم. كشفن عن الفظائع داخل السجون، ونشروا أخبار الإعدامات والتعذيب. ومن خلال وقوفهم أمام السجون، وهتافاتهم، وحتى إضراباتهم عن الطعام، زدن من الضغط الاجتماعي على النظام.
في صفوف الزيارة، تعرّفت النساء على بعضهن، وأصبحن صديقات، وشكلن شبكة حية ونشطة. كانت الأخبار الواردة من السجون تنتقل بينهن بسرعة. هنّ أول من همس بأسماء المعذّبين، وأول من كشف عن الإعدامات السرية، وأول من قال: “لا يمكن إخفاء هذا”.
تميزت هؤلاء النساء بمزيج من الشجاعة الشخصية والتنظيم الاجتماعي. استغللن العلاقات العائلية والجيرة والشبكات الدينية لتشكيل حلقات من التضامن تقاوم آلة القمع. كما أسسن مجموعات صغيرة في البيوت والأحياء للتعليم وتبادل الأخبار والتخطيط، والتي كانت تبدو أحيانًا غير سياسية (كجلسات خيرية أو دينية)، لكنها كانت في الواقع مراكز لتنظيم الأخبار والتخطيط. من نتائج دور النساء النشط في عائلات السجناء السياسيين، تحرير 182 سجينًا سياسيًا في 19أكتوبر1978 ، وأكثر من ألف سجين في 25 أكتوبر1978، وآخر دفعة من السجناء السياسيين في 20 يناير 1979.
تشكيل أنماط جديدة للنضال
كان من أبرز إرث 8 سبتمبر تغيير أساليب النضال. أظهر دور النساء والأمهات وأخوات الشهداء والسجناء السياسيين أن المقاومة لا تقتصر على المواجهة في الشوارع، بل تمتد إلى البيوت والسجون والأسواق والمساجد.
وقررت هؤلاء النساء ألا يصمتن. في التشييع، والأزقة، وحتى في طوابير الخبز، روين قصة اليوم الدامي لكل من يستمع. أشعلت هذه الروايات عقول وقلوب الآخرين كالشرارة.
استخدمت الأمهات أدوات مثل إحياء ذكرى الشهداء، والروايات الشفوية، والمراسلات، لتشكيل نضال رمزي وثقافي حافظ على الذاكرة الجماعية وحفّز الجيل الجديد على مواصلة الطريق. بعد سنوات، ألهمت صور الأمهات الإيرانيات، وهن يحملن صور أبنائهن أمام الجنود، أمهات الأرجنتين اللواتي فقدن أبناءهن في الديكتاتورية. “أمهات ساحة ”مايو“ والأمهات الإيرانيات، رغم بعدهن آلاف الكيلومترات، تحدثن بلغة مشتركة: لغة الدموع والحقيقة.

تمهيد الطريق للمستقبل
8 سبتمبر، رمز الدم والشجاعة، كان بداية مسار طويل للنساء. لفهم روح هذا اليوم، يجب أن ننظر إلى وجوه النساء اللواتي وقفن، حاملات صور شهدائهن وأسراهن، أمام أبواب السجون المغلقة أو خلف متاريس ساحة جالة. لم يفقدن أبناءهن فقط، بل أصبحن أمهات كل الشهداء والسجناء.




















