وراء ادعاءات التقدم، تكمن أزمة من الإرهاق والتمييز الجنسي والهجرة الواسعة في النظام الصحي.
ادعاء الحكومة تقليص هجرة الممرضين وسط أزمة
وفقًا لوسائل إعلام النظام، ادعى ”محمدرضا ظفرقندي“ وزير صحة النظام، خلال جلسة مجلس الوزراء يوم الأربعاء 28 مايو 2025، “انخفاضًا كبيرًا في هجرة الممرضين والأطباء والمتخصصين في النصف الثاني من عام 2024 مقارنة بالفترة نفسها من عام 2023”. (موقع ”فرارو“ – 28 مايو 2025)
في اليوم التالي، وصف عباس عبادي، نائب وزير الصحة لشؤون التمريض، هذا الإنجاز بأنه “نتيجة بث الأمل والسياسات الداعمة”. (نادي الصحفيين الشباب – 29 مايو 2025)
وادعى عبادي أن “إحصاءات منظمة النظام التمريضي تُظهر أن عدد الممرضين المتقدمين للهجرة للحصول على شهادة كان حوالي 2000 في عام 2023، بينما انخفض إلى أقل من 1300 في عام 2024”. وأضاف أن “هذا الانخفاض الكبير كان ملحوظًا بشكل خاص في النصف الثاني من عام 2024، حيث تُظهر الإحصاءات توقفًا شبه كامل للاتجاه التصاعدي للهجرة في الأشهر الأخيرة من العام الماضي”.
وأثارت هذه الادعاءات ردود فعل واسعة تنم عن “عدم تصديق تقليص هجرة الممرضين”، نقلتها وسائل الإعلام عن مسؤولين وخبراء النظام
لماذا لا تُعتبر إحصاءات توقف هجرة الممرضين موثوقة؟
قال محمد شريفي مقدم، الأمين العام لمنظمة دار التمريض: “إن وزارة الصحة ومنظمة النظام التمريضي، بتنسيق مشترك، يقدمان إحصاءات عن توقف هجرة الممرضين الإيرانيين للتهرب من المشاكل وصرف انتباه الرأي العام عن قضايا التمريض. يزعمون أن أوضاع الممرضين تحسنت ومشاكلهم حُلت، وبالتالي توقفت هجرتهم، لكن هذا غير صحيح.” (خبرآنلاين – 6 يونيو 2025)
وأضاف: “عندما أعلنا أن ما لا يقل عن 3000 ممرض إيراني هاجروا من البلاد، احتج جميع المسؤولين المعنيين، متسائلين عن مصدر هذه الأرقام. لكننا اعتمدنا على مصادر متنوعة تؤكد هجرة الممرضين الإيرانيين.”
وأشار الأمين العام إلى أن “هجرة الممرضين لا تمر عبر قناة واحدة، لذا لا يمكن لأحد أن يحدد بدقة الإحصاءات الرسمية للهجرة. نسأل مسؤولي وزارة الصحة ومنظمة النظام التمريضي: كيف يعلنون عن انخفاض بنسبة 35% في الهجرة؟”
من جانبه، قال ”سيد محمد علوي“، خبير في مجال الصحة: “تقييم هجرة الكوادر الطبية، وخاصة الممرضين، بناءً فقط على عدد الشهادات الصادرة عن منظمة النظام التمريضي، لا يتماشى مع منهجيات البحث في الهجرة، وقد يؤدي إلى استنتاجات غير واقعية حول قضية معقدة ومتعددة الأوجه.” ( صحيفة ”همشهري“ آنلاين – 31 مايو 2025)
وأضاف علوي: “وفقًا لبيانات مسجلة في الدول المستقبلة، لم تنخفض هجرة الممرضين الإيرانيين بين عامي 2020 و2024، بل إن معدل هجرة القوى العاملة الصحية في إيران شهد نموًا أعلى مقارنة بالمتوسط الإقليمي، وفقًا لتقديرات دولية.”

ما هي الحقيقة حول أوضاع الممرضين في إيران؟
في ظل الأزمات الهيكلية العميقة وإهمال المطالب النقابية المزمن، يواجه الممرضون في إيران ظروفًا تدفعهم إما لمغادرة الوطن أو التخلي عن مهنة كانوا يضحون بحياتهم من أجلها.
تشكل النساء أكثر من 80% من القوى العاملة في التمريض، وبالإضافة إلى ضغوط العمل المرهقة، يعانين من التمييز الجنسي. هؤلاء النساء لا يتحملن فقط مسؤولية صحة المرضى خلال ورديات شاقة، بل يقمن أيضًا بأدوار رعاية كبيرة في المنزل.
تأخر دفع العلاوات، عقود عمل مؤقتة لمدة 89 يومًا، رواتب لا تتجاوز في الغالب 10 إلى 15 مليون تومان، وغياب الأمان الوظيفي، كلها عوامل جعلت العديد من الممرضات يتخلين عن العمل في إيران رغم التزامهن المهني. في المقابل، يحظى هؤلاء الممرضون في الدول المستقبلة بظروف عمل أفضل ورواتب أعلى بأضعاف.
وتشير التقديرات إلى أن ما يقرب من 50 إلى 60 ألف ممرض في إيران حاليًا إما توقفوا عن العمل أو هجروا المهنة، أو لم يتمكنوا من الهجرة، أو لا يرغبون في العودة إلى القطاع الصحي.
كما أن حوالي 1800 إلى 2000 ممرض يتخلون عن المهنة سنويًا، مما يشير إلى أن الاحتفاظ بالقوى العاملة الحالية أصبح تحديًا جسيمًا.

انهيار النظام الصحي
في الأشهر الأخيرة، تتردد تقارير عديدة عن تدهور ظروف الرعاية التمريضية في المراكز الطبية الحكومية، وهي مشكلة لم يعد بالإمكان وصفها بـ”نقص القوى العاملة” فحسب، بل أصبحت، وفقًا لتصريحات المسؤولين، أزمة شاملة. (خبرآنلاين – 6 يونيو 2025)
تقول ”فاطمة خدابخشي“، رئيسة مجلس إدارة منظمة النظام التمريضي في مدينة إيذة: “في إيذة، يوجد ممرض واحد فقط لكل 10 إلى 15 مريضًا في كل وردية. وفي بعض الورديات، حتى مع وجود 25 إلى 30 مريضًا، لا يتوفر سوى ممرضين أو ثلاثة… الحقيقة أن أكثر من 20 ممرضًا قد غادروا النظام الصحي دون تعويضهم ببدلاء.” (موقع ”سلامت نيوز“ – 6 يونيو 2025)
ويصف ع”لي رضا كج كوبان“، رئيس مجلس إدارة منظمة النظام التمريضي في الأهواز، الوضع في خوزستان بأنه “كارثي”: “نسبة الممرضين إلى الأسرة في خوزستان هي 0.63 فقط، وهي تتناقص بدلاً من أن تزداد… في عام 2023، كان من المفترض توظيف 2700 ممرض، لكن لم يُتخذ أي إجراء لتنفيذ ذلك حتى الآن.”
وأضاف كج كوبان: “في بعض الأقسام، يعمل ممرضان فقط مع 24 سريرًا، أي أن كل ممرض يجب أن يعتني بـ12 مريضًا، وهو أمر مستحيل عمليًا.” (موقع ”خبرآنلاين “– 6 يونيو 2025)

إحصاءات مزيفة، معاناة حقيقية
قال محمد شريفي مقدم، الأمين العام لمنظمة دار التمريض، بشأن الإحصاءات غير الواقعية عن تقليص هجرة الممرضين: “الإحصاءات المعلنة لا تعكس الحقيقة، بل هي محاولة لإيهام المجتمع التمريضي بالرضا وإظهار إنجازات موجودة على الورق فقط. يحاول صانعو السياسات إيجاد انطباع بأن تحسين ظروف الممرضين قلص الهجرة، بينما لم تُحل المشاكل الأساسية، بل زادت المصاعب والمخاطر المهنية في عام 2024 مقارنة بالعام السابق. لم تُعالج أي من الأسباب الرئيسية للهجرة، مثل انخفاض الرواتب، عدم الرضا عن العلاوات، والضغوط الإدارية، ولا يزال التوتر في أوساط المجتمع التمريضي قائمًا.” ( صحيفة ”جهان صنعت“ – 2 يونيو 2025)
وأضاف شريفي مقدم منتقدًا وزارة الصحة: “لا يوجد برنامج دعم واضح وعملي لتحسين أوضاع الممرضين، بل إن السياسات تميل إلى زيادة التشدد، وتكثيف الضغوط الرقابية والإدارية والأمنية، وحتى فتح ملفات إدارية ضد الممرضين. بدلاً من معالجة جذور المشاكل، يتم محو القضية، ومع تغيير العقود فجأة، تقليص العلاوات، والضغوط القانونية عبر المحاكم ومجالس التأديب، أصبح المجتمع التمريضي أكثر إحباطًا وإرهاقًا.”
وحذر أحمد نجاتيان، رئيس منظمة النظام التمريضي الوطنية، قائلاً: “على الرغم من تخريج 12 ألف ممرض سنويًا خلال السنوات الأربع الماضية، تم توظيف أقل من 10 آلاف فقط. في الوقت نفسه، يغادر حوالي 1800 ممرض النظام سنويًا، ويهاجر العديد منهم إلى دول أخرى.” (خبرآنلاين – 6 يونيو 2025)
ووفقًا لوسائل إعلام النظام، يواجه النظام الصحي في البلاد، خاصة في قطاع التمريض، ضغوطًا غير مسبوقة. وبدون تدابير عاجلة لتوظيف الممرضين والحفاظ عليهم ودعمهم فعليًا، لن تنهار جودة الخدمات الطبية في المستشفيات الحكومية فحسب، بل ستتعرض صحة المجتمع الإيراني لتهديد خطير.





















