في منتصف ليلة ۲۹ ديسمبر، أنهت مريم أكبري منفرد عامها السادس عشر خلف القضبان، بينما تشتعل شوارع طهران ومدن إيران المختلفة بتبعات التظاهرات المناهضة للنظام.
ولدت مريم في ١٤ ديسمبر ١٩٧٥، وهي أم لثلاث بنات. تُعد واحدة من أكثر السجينات السياسيات صموداً، إذ اختارت العيش بحرية على الاستسلام لنظام الملالي.
في منتصف ليلة التاسع ٣٠ ديسمبر ٢٠٠٩، اقتيدت إلى سجن إيفين “لتقديم بعض الإيضاحات” دون أن تتاح لها فرصة وداع بناتها، ومنذ ذلك الحين لم تعد إلى بيتها أبداً.
يعود سبب سجنها إلى مطالبتها بالعدالة لأشقائها الأربعة الذين أعدمهم نظام الملالي بوحشية في ثمانينيات القرن الماضي. كانت شقيقتها، رقية أكبري منفرد، أماً لطلفة صغيرة، حين أُرسلت إلى المشنقة ضمن مجزرة السجناء السياسيين في صيف عام ١٩٨٨.

قوس قزح من الأمل
طوال السنوات التي قضتها خلف القضبان، كانت مريم أكبري دائماً مصدر إلهام للسجينات الأخريات. قلبها يتسع باتساع البحر بالحب والمشاعر لكل من حولها. تصفها زميلتها السابقة في الزنزانة، السجينة السياسية “آتنا فرقداني”، بأنها امرأة كان صمودها بمثابة “قوس قزح من الأمل” لجميع السجينات.
ولهذا السبب، ومن أجل منع تأثيرها الملهم، عزلها مسؤولو السجن عن السجينات السياسيات الأخريات؛ ففي ٩ مارس ٢٠٢١، نُقلت مريم بشكل مفاجئ من سجن إيفين إلى سجن سمنان، حيث وُضعت بين السجينات العاديات في انتهاك صارخ لمبدأ الفصل بين الجرائم، وحُرمت هناك من الزيارات وحتى المكالمات الهاتفية العادية مع عائلتها.
أنهت مريم أكبري منفرد مدة محكوميتها البالغة ١٥ عاماً في ١١ أكتوبر ٢٠٢٤، دون أن تحصل على يوم واحد من الإجازة. ومع ذلك، قامت السلطات بفبركة ملفات قضائية جديدة لتمديد فترة سجنها لعامين إضافيين. وفي ٢٢ أكتوبر ٢٠٢٤، نُقلت إلى سجن “قرجك” بورامين سيئ السمعة، حيث احتُجزت لفترة في الحبس الانفرادي.
ومرة أخرى، في ٩ أكتوبر ٢٠٢٥، عندما أُعيدت جميع السجينات السياسيات إلى سجن إيفين، استُثنيت مريم من هذا الانتقال.

صامدة رغم تعدد الأمراض
بعد ١٦ عاماً من السجن، تعاني مريم أكبري منفرد من خمول في الغدة الدرقية، ومشاكل في الكبد، وآلام مزمنة في الظهر والركبة. وخلال الأشهر الأخيرة، تعرضت مراراً لحالات خدر في الساق واختلال في وظيفة الركبة، وهي مؤشرات حذر الأطباء من أنها علامات تنذر بإصابات عصبية وفي النخاع الشوكي.
وقد أجمع خمسة أطباء متخصصين، بينهم جراح مخ وأعصاب وجراح عظام وأطباء من الطب الشرعي، على ضرورة إجراء عملية جراحية فورية لها، محذرين من أن أي تأخير قد يؤدي إلى تلف عصبي دائم، وفقدان القدرة على الحركة، وسلس البول.
وبحسب آخر التقارير، نُقلت مريم عدة مرات خلال أسبوع واحد إلى مراكز طبية خارج السجن لتلقي العلاج الطبيعي وتقويم العمود الفقري. ومع ذلك، يصر مسؤولو السجن على حصر علاجها في المراكز الطبية الحكومية التي تفتقر إلى الإمكانيات التخصصية اللازمة لحالتها، بينما قوبل طلبها بتلقي العلاج في مركز مناسب على نفقتها الخاصة بالتجاهل التام.
يأتي هذا التعنت رغم موافقة منظمة الطب الشرعي والقاضي المشرف مسبقاً على نقلها إلى مراكز تخصصية، وتحذيرات طبيبها المعالج من العواقب الوخيمة لقطع رحلة العلاج.
بعد ستة عشر عاماً من الاعتقال غير القانوني، لا تزال مريم أكبري منفرد في السجن، لا لشيء إلا لأنها طلبت الحقيقة وطالبت بالعدالة لأفراد عائلتها الذين أُعدموا. ورغم سنوات الحبس، والعزل الطويل، وفبركة الملفات المتتالية، والحرمان المتعمد من العلاج، لا تزال مريم صامدة بإرادة فولاذية. إن استمرار سجنها هو رمز جليّ لخوف نظام الملالي من المساءلة، ومن النساء اللواتي يرفضن الصمت.
إن حياة مريم أكبري منفرد في خطر. إن إطلاق سراحها الفوري وغير المشروط، وتمكينها من الحصول على العلاج التخصصي الكامل، ليس مجرد مطلب قانوني، بل هو ضرورة أخلاقية وإنسانية ملحة.




















